واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
دمعة هاري

تم النشر أول مرة بتاريخ24/08/2005 04:56:00

 جلست معهم وقلبي منشغل بشيء آخر، كانوا مجموعة من الاصدقاء المجتمعين لوداع صديق بريطاني بعد أن أنهى فترة تطوعه في برنامجهم، لكنني كنت شارد الذهن، منشغل البال، حاولت الاندماج معهم في مواضيعهم التي سيطر عليها الحديث حول السندويشات التي قاموا بطلبها وتأخر إدارة المطعم بتزويدهم باحتياجاتهم من الكاتش أب والعصير، بينما إنشغل بعضهم الآخر بالصمت الرتيب، كانت جلسة مملة، ومن يدري، قد أكون أنا الوحيد الذي يراها مملة، لم أجد أن من المفيد الحديث إليهم عن مشاعري لهذا اليوم، ومن يهتم بقصة دمعة رجل بلجيكي في الوقت الذي ُتذبح فيه اقوام على المقصلة، نظرت بعيداً الى ذلك الجبل الصامت، وأمعنت النظر إليه، صُغرت كل الامور في عيوني، ووجدت أن كل ما على هذه الحياة الى زوال، لا وقت للاستمتاع بأي شيء طالما ُحكم عليها بالموت في النهاية، كل شيء سينتهي الى زوال، وهذا هو سبب ألمي لهذا اليوم، لقد ودعت زميلاً قبل ذهابي للقاء أصدقائي، زميلاً اقعده المرض فجأة، وفرض عليه المغادرة، ربما الى الابد.

 

قابلت هاري قبل ثلاث سنوات، كان رجلاً بلجيكياً ابيض الشعر في العقد السادس من عمره، نذر ما تبقى من عمره لخدمة مدينة نابلس وأطفالها وسكان بلدتها القديمة، شاهدته متنقلاً من منزل لآخر، ومن مستشفىً لأخرى، كان قد تطوع لتقديم المساعدات الاجتماعية والانسانية والطبية لهذه المدينة بعدما رآى أن بمقدروه القيام بعمل شيء ما للتخفيف من معاناة أهل المدينة التي عانت الكثير خلال السنوات الخمس الماضية.

 

كان هاري أولُ من يزورني في منزل أسرتي فور اطلاق سراحنا بعد اسبوع من الاعتقال في منازلنا واستخدامنا دروعاً بشرية لحماية الجنود الغزاة، كان ممن بقو في المدينة ورفضوا نصائح سفاراتهم بمغادرة الاراضي المحتلة، كان يتنقل أثناء فرض نظام منع التجول بين منزل وآخر لايصال الدواء والمساعدة ما أمكنه، وتعرض هاري لخطر مباشر من جنود الاحتلال الذين كانوا يطلقون النار على كل شيء يتحرك في شوارع المدينة، خاطر بنفسه مراراً من أجل تقديم خدمة انسانية عجز الاخوة والاشقاء عن تقديمها.

 

شاهدته دوماً متجهاً الى مكان عمله في مركز الخدمة المجتمعية حاملاً حقيبته ومدخنا سيجارته، بينما يستوقفه شاب هنا وطفل هناك، كنت أراه وأنا في سيارة الاجرة متجها الى عملي في الجامعة، كان نشيطاً رابط الجأش، متحمساً دون كلل، مسرعاً الى مكتبه ليباشر جهده اليومي بمساعدة الطلبة والمحتاجين والتعرف على مشاكل وهموم المواطنين، كان من أنشط المتطوعين الدوليين الذين إعتادوا الحياة في المدينة، كان يقول لي كلما سافر الى وطنه بلجيكا: سأعود الى نابلس وذلك بعد أن ازور اسرتي لبعض الوقت ولكنني لن أستطيع العيش دون أسرتي الكبيرة هنا في نابلس، قال لي ذات مرة: كلما ذهبت الى بلجيكا، إشتقت لنابلس أكثر.

 

عرفت فيه الرجل المثابر المتضامن فعلياً مع المجتمع الفلسطيني، كان تضامنه عملياً، بعيداً عن المزايدات والمهاترات العربية المعتادة، شعر هاري بواجب انساني يدفعه لتقديم كل ما يستطيع لهذا المجتمع الذي عاش الكثير من الألم والمعاناة. قيل لي أن هاري سهر حتى منتصف الليل وهو يحمل الاتربة والمعدات الخاصة بمشروع الازهار، وقال لي زملاؤه أنه كان يرفض ان يستريح، كان سعيداً لإن المشروع يسير على ما يرام، لكن قلبه الذي أعياه المرض أبى الاستمرارفي النبض بشكل منتظم، ولينهار صديقنا هاري مصاباً بنوبة قلبية حادة أقعدته عن العمل الذي عشق.

 

رغم ظروفه الصحية الصعبة، إلا أنه وبكل ما اعتدناه فيه من عناد محبب وعزيمة ورباطة جأش، استقبلنا واستقبل وفد القنصلية البلجيكية التي ارسلت سيارتها لنقله من مدينة نابلس تمهيداً لنقله الى الوطن الام حيث سيتلقى العلاج، كثيرون الذين تأثرو في حياتهم بهذا الرجل وكثيرون أيضاً أولئك الذين اتسمت نظرتهم للحياة بالتفاؤل بعد معرفتهم له.

 

شعرت أنه متخوف من هذه السفرة التي قد تعني له الكثير، كان قد حزم أمتعته وودع اصدقاءه، كان يشعر ان هذه الرحلة هي الأخيرة الى الوطن وأن صحته لن تسمح له لاحقاً بالعودة الى الوطن الآخر، الى مدينة نابلس وبلدتها القديمة، حضنُته وأنا اشعر بخوف دفين من أن يكون لقاؤنا المقبل أحلاماً، ودعته ودمعة حبيسة تحاول الانهمار من عيني، لكنني ُصعقت حين رأيت عينيه محمرة مغرورقة بالدموع بعد معانقته لمهندس مشروعه، مشروع مدينة الازهار، كان منفعلاً جداً، انفطر قلبي وقلب كل من حضن هاري لحظة الوداع، كان بيته مكتظاً باصدقائه من بسطاء القوم ممن يعملون معه في مشروع مدينة الازهار. ولا يمكن لشخص واضح كهاري أن يبتسم الا اذا شعر بالرغبة بالابتسام كذلك لا يمكنه البكاء إلا ان كان قلبه منفطراً على وداع هذه المدينة.  

 

سيفتقدك يا هاري كل طفل عاري القدمين، اشعث الشعر، ممن قدمت لهم البسمة والحلوى في أزقة البلدة القديمة وحاراتها المنسية، وستفتقدك كل سيدات البلدة القديمة اللواتي قدمت لهن الورود في الوقت الذي قدم فيه جنود الاحتلال رصاصهم وقنابلهم الى منازل هذه الاسر الفقيرة المعدمة.

 

شاهدت هاري قبل بضعة أيام وأنا ارافق وفداً دولياً من الزوار الاوروبيين الذين يزورون المدينة، اوقفتهم جميعاً وقدمت هاري اليهم، كان سعيداً برؤيتهم، ورافقت وجهه الغبطة وهو يتحدث عن البلدة القديمة، قال لهم: قد ينصحكم الجميع بعدم الذهاب الى البلدة القديمة لأسباب أمنية، لكنني انصحكم بزيارتها لان فيها أناس ابرياء وأطفال لطيفون وسكان مضيافون وأسر متواضعة لكنها مشهورة بكرم ضيافيتها، أهلا بكم في البلدة القديمة من مدينة نابلس.

 

وبعد أن عدت من شرودي وأنا جالس مع أصدقائي في ذلك المقهى، نظرت الى أصدقائي، وجدت أحدهم ينفث دخان أرجيلته بكل شموخ وزهو، أدركت حينها أن هذا العالم ليس عالمي، وأنني يجب أن أكون في مكان آخر، مكان يستطيع فيه المرء أن يصرخ ضد هذه الحياة الظالمة، أن ُيفرغ ما بقلبه من حزن وألم، ان يرفض القبول بالخضوع لهذا القدر. عدت مسرعاً الى بيتي لأكتب هذه الكلمات قبل أن ينفجر هذا القلب المرهق دمعاً ودماً.

 

نابلس

 23 آب 2005



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين