واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
نابلس2005: تداعيات!!

تم النشر أول مرة بتاريخ27/08/2005 02:30:00

 

          الخميس صباحاً تغادر المنزل في العاشرة. تستقل اسيارة إلى المدينة، وتتبادل حديثاً عابراً مع السائق. السيارات كثيرة والركاب قلة، ومنذ فترة وأنت تصغي إلى السواقين يعبرون عن امتعاضم مما يجري. السيارات أكثر من البشر. سيارات مرخصة وأخرى غير مرخصة. سيارات يملكها أصحابها، وأخرى مسروقة. هذه تعمل وهذه تعكل، والذي يدفع للحكومة يعامل مثل الذي لا يدفع لها. والله أعلم أين هي الحكومة؟!

          تسأل السائق إنْ كانت الأوضاع في المدينة على ما يرام، إذ المدينة كل يوم في شأن، فيجيبك أن الأوضاع هادئة. تكرر: كل شيء هادئ على الجبهة الغربية، ولا شيء هادئ هنا. ولكن السائق لا ينسى المقارنة بين حركة اليوم وحركة الأمس. يخبرك أن حركة اليوم قليلة. هذا يعني أن الركاب قليلون. أن الناس في بيوتها. أن أهل القرى لم يأتوا إلى المدينة، ولا ينس الإشارة إلى الجامعة، فيوم الخميس يعني هدوءاً وقلة أرزاق. تشرح له الوقع. تقول له: في الجامعة عشرة آلاف طالب على الأقل، وكل طالب يحتاج إلى ركوب السيارة مرة أو مرتين. أنا مثلاً، تقول له: اصعد السيارة من شرق المدينة إلى الدوار، ومن الدوار إلى الجامعة، ويوم الخميس أختصر، لأنني لا أذهب إلى الجامعة. أذهب فقط إلى وسط المدينة.

          المدينة هادئة. لا قوات احتلال ولا شهداء ولا مناسبات وطنية. آخر خميس في تموز. الجو حار منذ الصباح، وربما كان هذا سبباً من أسباب عدم اكتظاظظ شوارع المدينة، وربما لأن العاشرة وقت مبكر لبعض المواطنين. سوق الخضار يكتظ بالبضاعة المعروضة، والفواكه كثيرة، وكما يقولون بالعامية: " على قفا من يشيل "، ولا تحتاج إلى إلى مالٍ وجسد خال من الأمراض حتى يلتذذ بالتهامها، هذه الفواكه التي تغرب الناظرين.

          وفي آخر تموز هذا تلحظ الفواكه الخاصة به تحديداً. أينما سرت في وسط المدينة تجد باعة الصبر والتين. سلال كثيرة معروضة. " سطول " سوداء ذات حجم وسط، ومربعات من النايلون التي يتسع الواحد منها للكيلو أو كيلو ونصف، والأسعار بدأت تتراجع وتغدو معقولة، فسطل الصبر يباع الآن يعشرة شواقل، خلافاً للأسبوع الذي سبقه، حيث بيع بخمسة عشر شيقلاً، والنوعية بدت أيضاً أفضل، فالصبر الأخضر القاسي الصلب بدأ ينضج، بسبب الحر، ويتحول إلى برتقالي لين.

          تذهب إلى مكتب الجريدة. ترسل مقالك الأسبوعي من هناك. تصغي إلى مجدي يتحدث عن التطورات التي ألمت بالمكتب. يحدثك بفرح عن ترقيته ووظيفته الجديدة. يخبرك عن أحوال بعض موظفي الجريدية من معارفه. هذا استقال، لأنه يعمل في وظيفة أخرى، وذاك أيضاً استقال، لأنه وفر مبلغاً من المال، مكنه من فتح ( كوفي شوب ) في رام الله. الأهم من هذا ما ألم بمكتب الجريدة في نابلس. يخبرك أنه سيغدو قسمين، في كل قسم أربعة موظفين. هذا يعني أن الأمور بدأت تعود إلى مجاريها، فمنذ خمس سنوات كان المكتب غير ما أخذ يبدو عليه منذ بداية انتفاضة الأقصى. كان هناك عدد من الموظفين، ربما وصل إلى أربعة أو خمسة. وكانت الجريدة تصدر ملاحق عديدة. كان عدد صفحاتها ارتفع ووصل إلى خمسين، وأما في انتفاضة الأقصة، فقد قل عدد الموظفين وقل عدد صفحات الجريدة. لم تعد ترى في مكتب الجريدة، حين تزورها، سوى موظفين، أو موظف واحد، وبلغ عدد صفحاتها في أوج الانتفاضة ست عشرة صفحة فقط. اختفى عدد من الملاحق، ولم تعد الجريدة تدفع مكافآت للكتاب بعض الصفحات، وتراجع حضور الثقافة فيها، واختفت صفحات معينة، ولم يعد ملحق الخميس يصدر.

          تغادر مكتب الجريدة. تسير في شوارعها، وسرعان ما تذهب إلى المقهى، تشتري الجريدة وتقرأ بعض الأخبار فيها. تتصفح عناوين المقالات. تقرأ بعضها. وتراقب الناس غادين رائحين محملين بأكياس الخضار والفواكه. الجلوس في مقهى، على الرصيف، شيء رائع. تتابع حركة الناس. تخرج من الغرف إلى عالم رحب واسع. كأن الغرفة قبر، والرصيفمدى واسع. حياة. تأمل في البعيد. عالم لا حدود له. وتلعن الحدود كلها.

          النادل الذي أحضر لك ما طلبت، جلس بعد نصف ساعة إلى جانبك. بدا رجلاً متعباً. بدا كهلاً، على الرغم من أنه لم يتجاوز الخامسة والخمسين، كما أخبرك. يحدثك النادل عن همومه. عما حدث معه. يعبر عن امتعاضه مما يجري. يخبرك أن الأوضاع على غير ما يرام. يعطيك مثلاً على ذلك. يتحدث عن العمل في المقهى، والعمل فيه قبل انتفاضة الأقصى. سابقاً، يقول لك، كان الزوار كثيرين. كنا نعمل ( شفتين ) – أي فترتين -. يقول لك: كنت أعمل حتى الثانية عشرة ظهراً، ثم أغادر. كان هناك زبائن. أما الآن فهذا غير وارد. الآن بالكاد نستطيع ما يطعمنا. وأنت ترى. توافقه على ذلك، وتحدثه عن مطعم أبي العلاء الذي يشوي اللحم. تقول له: قبل انتفاضة الأقصى كنت أذهب إلى المطعم، وأنتظر نصف ساعة حتى أحصل على الطعام، هذا إذا وجدت طاولة فارغة، أما منذ انتفاضة الأقصى فأذهب ولا أجد إلا زبوناً واحداً، هذا إذا كان هناك زبون.

          النادل الذي بدا مهموماً حزيناً وهو يتحدث عن قلة العمل أخذ يتحدث عن أشياء تقلقه، ربما أكثر من قلة العمل. أخذ يتحدث عن الأوضاع الصعبة التي يعاني منها الناس الآن. تحدث عن الجيل الجديد، وطلب من الله أن يرحمه، فهذا الجيل لم يشهد إلا الضعف والموت والقتل والاجتياح المتكرر للمدينة.

          يخبرك النادل عن ابنه وما ألم به. ابنه بائع على دوار المدينة. قبل أسابيع كان النادل عائداً من مكان عمله، من المقهى، إلى بيته في البلدة القديمة، وهناك، قرب بيته كان هناك هرج ومرج. كان الناس مجتمعين، فثمة مشكلة ما بين طرفين، بين مجموعة من الشباب وابنه. ابنه قوي الشكيمة، والشباب ليسوا، كما أخبرك، أنداداً له. هم كثر صحيح، هم أربعة صحيح، ولكن ابنه صلب قوي. وحين عرف بالمشكلة جمع الطرفين وأصلحهما. يقول لك النادل بصوت تلحظ فيه قدراً من الحزن والانكسار: أنا الرجل البالغ خمسة وخمسين عاماً، أصلح بين الطرفين وأبوس راس كل واحد من الأربعة، أنكسر لهم، لا لأنني ضعيف، أو لأن ابني كذلك، وإنما لأنني لا أريد أن تكبر المشكلة، فالكل يعرف ما آلت إليه الأوضاع، والسلاح بيد حامله قاتل، ومن لا يحمله قد يضيع بشربة ماء، حتى لو كان سيد الرجال، حتى لو كان شجاعاً. يخبرك النادل أنه أنفق الليل أكثره وهو يصلح بين الطرفين. يقول لك: لم تنته المشكلة إلا في الواحدة صباحاً.

          تريد أن تحدثه عن أحداث شهدتها المدينة، ولكنه يطلب منك أن تصغي إليه، فالمشكلة التي اعتقد أنها انتهت لما تنته. يحدثك عن ابنه الذي ذهب في اليوم التالي، طبيعي. ويفاجأ الرجل حين يسمع ما حدث. ذهب الشباب الأربعة إلى مكان عمل ابنه، وأطلقوا الرصاص على ساقه. وهكذا اضطر لأن يصطحبه إلى عمان ليعالجه هناك. تسأله عن أوضاعه الآن، فيجيبك أنه ما زال يعاني، وتسأله ماذا حدث بعد لك مع الشباب الأربعة. وفيما إذا كانت المشكلة حلت بطريقة ما.

          يحدثك الرجل أنه رفض أي حل، ما لم يطبق قانون العين بالعين والسن والسن، والبادئ أظلم. يقول لك: إنه أصر على أن يطلق النار على ساق من أطلق النار على ساق ابنه، ولا مناص من هذا. تسأله: وهل أطلقت النار على ساق الجاني؟ فيجيبك بالإيجاب.

          في أثناء الحديث تقص عليه قصة أصغيت إليها قبل عشر أيام. لم تكن شاهداً على الحدث، وإنما استمعت إلى زميل لك يقص عليك بعض ما شاهد هو. سائقان اثنان من سواقي السيارات العمومية يقتتلان من أجل راكب يزعم كل منهما أن الراكب أعطاه إشارة ليصعد معه. يحاول السواقون فض النزاع، ينجحون أولها، ولكن السائقين يواصلان العراك, يستل كل واحد منهما سكيناً، ويهددان السواقين/ من يقترب سوف يطعن. ويجلس السواقون في حافلاتهم يراقبون المارزة الرومانية. طبعاً لم يكن أي واحد منهما ( سيارتاكوس ) ليحرر روما من الأشياء أو ليحرر المدينة من الاحتلال. تنتهي المعركة بجراح السائقين، كانت جراح أحدهما خطيرة. ويقول لك النادل إنه سمع بالقصة.

          يغادر النادل لكي يلبي طلبات زبائن جدد، وتغادر أنت لتسير في شوارع المدينة. لم تكد تبعد عشرين متراً، وكنت تسير ببطء شديد، حتى تجاوزتك مجموعة من المقنعين يحملون بأيديهم الرشاشات. لم يطلقوا النار، وهو سائرون، وإنما كانوا يسيرون، كما لو أنهم في ( مارش ) عسكري. سبعة على اليمين وسبعة على اليسار. تنظر إليهم وإلى ملابسهم، وتقدر أنه شباب لا يتجاوز الواحد منهم العشرين أو الخامسة والعشرين من العمر. وتنشد لهم السلامة، وتطلب من الله ألا يكون هناك قوات إسرائيلية، فإذا ما حدثت معركة كانت نتائجها وخيمة، ولا تدري من يقتل ومن يستشهد، من الشباب ومن المارة أيضاً، فالأخيرون هن أيضاً معضون للخطر.

في أثناء جلوسك على المقهى كنت استمعت إلى صوت رصاص ثمة من أطلق أربع رصاصات من مكان قريب، أتبعهما بأربع رصاصات أخرى من مكان أبعد. وصوت الرصاص غدا، في الفترة الأخيرة، عادة. يطلق الإسرائيليون الرصاص حين يجتاحون المدينة، ويطلق المسلحون النار إذا ما كان هناك احتفال ما أو اشتباك مع إسرائيليين نجم عنه شهيد ما، ويطلق الناس الرصاص إذا ما كان هناك حفل عرس، أو إذا ما كان هناك قريب نجح في امتحان التوجيهي.

ذات جمعة، في بداية تموز أو نهاية حزيران، تذهب لتلبي دعوة أحد معارفك، تذهب لحضور حفل زفاف، وسرعان ما تنسحب، فأحد الحضور بدأ بإطلاق الرصاص من مسدسه، ولم يكتف بذلك، وهو الذي لم يتجاوز العشرين من العمر، وإنما أعطى المسدس لشاب صغير، لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، ليطلق الرصاص ابتهاجاً. وبعد ذلك بأيام، حين أعلنت نتائج التوجيهي، أطلق أحد معارفك النار ابتهاجاً بنجاح أخيه، وأصاب نفسه بطلق فدخل إلى المشفى، وأجريت له عملية استمرت ساعتين ونصف، وهكذا انقلب الفرح إلى غم وحزن.

تقول لأحد معارفك: لا ندري من أين تأتينا المصائب! إذا لم تأتنا من الاحتلال أو صيرناها نحن. ويقص عليك قصة أحد المواطنين من قرية سالم. كان هذا المواطن الذي يعمل في إسرائيلي عائداً، مع زوجته وطفلته التي ولدت حديثاً، إلى قريته، وفي الطريق كان هناك حاجز إسرائيلي طيار. قال الضابط للمواطن: المرور ممنوع، عد من حيث أتيت. ولم يعد المواطن. أراد أن يقول للضابط إن زوجته ولدت حديثاً، وأنه عائد من المشفى، فأخبره الضابط أن يعود إلى المشفى. ولم يكتف بالكلام. أطلق النار على ساقه، وأعاده إلى المشفى جريحاً.

تواصل السير في شوارع المدينة. تذهب إلى الدوار فترى القوات الفلسطينية بأسلحتها، وترى المقنعين الأربعة عشر وتقول: الله يستر. تواصل السير. وتطلب من زميل لك تره أن يواصل سيره أيضاً، فالأوضاع لا تشجع على البقاء في المكان. ربما يبدو الجو متوتراً. تبصر رجلين يحملان البنادق، ولا يختلف شكلهما عن شكل يهود أوروبيين كثيراً. تسأل نفسك: ماذا لو كان هذا من المستعربين؟ من من شك ستكون هناك معركة حامية، وسيصاب الناس بالذعر وسيهربون، ولا تدري نفس بأي ذنب قتلت.

في أثناء العودة إلى المنزل تتحدث والسائق الحمساوي عما يجري. يخبرك عن صوت رصاص كثيف وقوي حدث قبل نصف ساعة. تقص عليه ما رأيت، وتفصح عن مخاوفك مما جرى قائلاً: ماذا لو دخل جنود الاحتلال أو كان هناك مستعربون؟ ولا يعجب كلامك السائق الحمساوي. يقول لك: لن يحدث هناك اشتباك بين هؤلاء والجيش. وأنت لا تستطيع أن تكتب كل ما قاله السائق، فقد يكون صحيحاً وقد لا يكون. ويصر السائق على أن قوات الاحتلال لا تهتم بمن يظهرون علناً. إنها تهتم بمن لا يظهرون من حملة السلاح. حين تعرف أين هؤلاء تدخل قواتها وتعتقلهم أو تقتلهم وينتهي الأمر.

في شوارع نابلس دار، في الأسبوعين الأخيرين، حديث عن الاقتحام الأخير لقوات الاحتلال للمدينة. قد يكون الحديث صحيحاً، وقد لا يكون. لكنه حديث دار على الألسن على أية حال. بعض الناس قالوا إن هناك شحنة من الأسلحة وصلت إلى المدينة، وعرفت قوات الاحتلال بالأمر، ولهذا دخلت المدينة، لكي تتأكد إن كان هذا السلاح سيستخدم ضدها أو لا. وكما لم تطلق رصاصة واحدة على القوات العسكرية الإسرائيلية التي هوجمت بالحجارة فقط، انسحبت هذه القوات وأيديها في الماء.

في المساء تذهب إلى المدينة. الشوارع فارغة إلا من بشر قليلين وسيارات قليلة، ومن عرس إسلامي لمائتين وعشرين شاباً، حفل زفاف جماعي يتحدث عنه الناس، منذ أيام ترى صورة هلؤلاء معاً ي ملصق يذكرك بالملصق الذي وزع وعمم في المدينة في نيسان 2002، حيث ضم صوراً لخمسة وسبعين شهيداً قتلوا في أثناء الاجتياح الإسرائيلي المدمر.

تشتري من المدينة ما تحتاج إليه من مواد غذائية، تشتري بضاعة محلية، وأخرى إسرائيلية أيضاً، وتعود بأكياس سوداء تضم ما أنتجته أيدي مواطنينا وأيدي أعدائنا. وتتواصل الحياة في هذا الوطن الذي يؤول فيه كل شيء إلى خراب أو إلى ... لا تدري، فمتى اللحظة، ومنذ سنوات قد تكون تخللتها سنوات أخرى تبدو الآن جميلة.

هل تقول: على هذه الأرض ما يستحق ... ما يستحق ماذا الحياة ... أم الممات؟

في الظهيرة، وأنت في المدينة، ربما تكرر بنبرة حزينة: على هذه الأرض ما يستحق الحياة. ربما تستبدل كلمة أخرى بكلمة الحياة، ولكنك في الصباح تبدو مثل الكتاب الرومانسيين الذين ينهون رواياتهم، بعد كل المآسي التي يتعرف لها شخوصها، بعبارة: وتشرق الشمس. في الصباح يبدو كل شيء هادئاً في المكان. تجلس إلى قرب شجرة الجوز، على الشرفة، ترتشف قهوتك، فيما الناس نيام، وثمة نسمة هواء خفيفة تنعش القلب.

في الصباح تكرر: على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وما أن تغادر منزلك وتصل إلى المدينة وتصغي إلى حديث الناس، وتشاهد ما يجري، حتى تكرر العبارة بنبرة أخرى. نبرة حزينة.

 

صباح الجمعة 29/7/2005

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين