واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
شهداء نابلس
الشيخ الشهيد "رياض بدير" : عاش في طلب الشهادة فباع الدنيا و اشترى السلاح

تم النشر أول مرة بتاريخ29/08/2005 09:01:00

في كلّ ركنٍ من قسمات وجهه كانت ترتسم ألف حكايةٍ و حكاية عن الأرض و الوجع و الثورة و الصمود ، و في سنوات عمره التي تجاوزت النصف قرن بنصف عقد تقبع المزيد من الحكايا و الوصايا لجيلٍ يتتلمذ كلّ يومٍ على قصص الشهداء و تضحياتهم و فنون البطولة الممتدة إلى عمق تاريخٍ دام يلدٌ فيه رحم الهزيمة كلّ يومٍ ساعةً للانتصار .

الشيخ رياض محمد علي بدير حياته مدرسة و سنوات جهاده تاريخٌ مكتنز بالعطاء لم ينتهِ يوم ترجّل في ميدان الشرف و البطولة في السادسة و الخمسين من عمره و ليس بيده غير المصحف و السلاح .

ولد الشيخ الشهيد "أبو العبد" في قرية فرعون جنوب غرب طولكرم في العام 1947 و التحق بمدارس المدينة قبل أنْ يكمل تعليمه العالي في معهد خضوري الزراعي ليتخرّج منه و يلتحق بسلك التربية و التعليم أستاذاً يعلّم طلبته فنون التضحية و الفداء و يقول كلمة الحق لا يبالي في سبيلها بأشواك الطريق و عذابات الاحتلال .

و مع انطلاقة الانتفاضة المباركة الأولى كان الشيخ الشهيد أحد رموزها و قادتها و موجّهي فعالياتها حتى اعتقل في العام 1988 في أول دفعة أسرى تفتتح سجن النقب الصحراوي ، حيث أمضى فيه ستة شهور معتقلاً إدارياً لم يتوقّف خلالها عن نشاطه التربوي و التعبوي للأسرى ليعدّهم لما بعد الإفراج من دورٍ في ميدان الانتفاضة .

و بعد خروجه من المعتقل تعرّض الشيخ للفصل التعسّفي من سلك التربية و التعليم كأسلوبٍ مارسه الاحتلال في محاربة المجاهدين في أرزاقهم و أقوات عيالهم و لما كان يشكّله الشيخ من إزعاجٍ لهم من خلال تربيته لتلاميذه على التمسّك بالأرض و الدفاع عنها و صونها و إنْ بالدماء ، غير أنّ الحرب الاقتصادية التي أعلنها الاحتلال على الشيخ كانت أصغر من أنْ تناله فالتحق بالعمل في المجالات الاجتماعية و الإنسانية لتخفيف أعباء الممارسات الاحتلالية على أبناء شعبه من خلال عمله في دور الأيتام و المؤسسات الشعبية و اللجان الوطنية و الخيرية مثل لجنة الزكاة .

تقول زوجة الشهيد "أم العبد" إنّ الجهاد و التضحية و التمسّك بالأرض و غيظ اليهود و العمل على الانتقام منهم و محاربتهم كانت أكثر ما يميّز شخصية الشهيد ، فهو دائم الحديث عن هذا الأمر في دروسه في المساجد و لقاءاته مع الناس حيث كان يمتلك شخصية اجتماعية فريدة يجتمع الكثير من الناس حوله ليسمعوا منه ما يخشون البوح من تعطّشٍ للجهاد و رغبة بالشهادة .

و قد برزت الروح الإسلامية بوضوح في شخصية الشهيد "أبو العبد" منذ بداية حياته و في مختلف جوانب سلوكه بما فيها أسماء أبنائه الثلاثة (سيد قطب ، إسلام بولي، القسام) أمّا نجله البكر فقد أطلق عليه اسم عبد الفتاح تيمّناً بشقيقه الذي استشهد في إحدى عمليات المقاومة الفلسطينية في السبعينات في غور الأردن .

 

فاكسر ضلوعي و انصرف :

و لم تتوقّف حرب الاحتلال على الشيخ بفصله من التدريس ، بل واصل المحتلّون اعتقاله و تعريضه لأبشع أشكال التحقيق، حيث اعتقل مجدّداً في العام 1990 و 1991 و خضع لتحقيقٍ قاسٍ تحدّى خلاله المحقّقين في مسالخ إجرامهم ليخرَج في كلّ مرة منهكَ الجسد قويّ الروح يدوس عظام السجّان بجرحه الذي لا يبرأ إلا برفضه الاعتراف .

و خلال حملة الإرهابيّ رابين على قادة حماس و الجهاد الإسلامي في العام 1992 و إبعادهم إلى مرج الزهور اعتقل الشيخ مجدّداً و أُخضِع للتحقيق و لم يقلْ كلمةً واحدة يمكن أنْ تفيد عدوّه الذي يخوض معه حرباً مفتوحة على كافة الصعد . و لم تسلم سيرة الشيخ الاعتقالية من الاعتقال في سجون السلطة حيث اعتقل في العام 1995 ليقضي في سجونها عدة أشهر ثمناً لتمسّكه بخيار الجهاد في عهد التسوية .

 

الشهيد في انتفاضة الأقصى :

و مع انطلاق انتفاضة الأقصى المبارك كان الشيخ يشتدّ حنيناً إلى الرحيل و كان يحدّث أبناءه أنّ عمره قد طال أكثر مما ينبغي و أنّه قد آنَ له أنْ يقضي شهيداً في سبيل الله تحقيقاً لأعزّ حلمٍ راوده و أغلى أمنيةٍ تمنّاها .. فطارد الشهادة مراتٍ و مرات و بحث عنها في كلّ جولاته مع الاحتلال كقائدٍ لسرايا القدس (الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي) ، إذ لم يقنع الشيخ رغم تقدّمه في السنّ و إعالته لأسرةٍ كبيرة بقصر جهاده على كلمة الحقّ و الموقف الصلب و التوعية و الإعداد و التربية و التأهيل لمدرسة الجهاد ، بل التحق بجناح الجهاد الإسلامي العسكري ينصب الكمائن و يطارد المحتلين و يشارك في الاشتباكات المسلحة رغم تولّيه جانباً كبيراً في إدارة الانتفاضة كممثّلٍ لحركة الجهاد الإسلامي في لجنة التنسيق الفصائلي .

و لتمويل عمله العسكريّ باع الشيخ بيتاً بناه و لم يسكنه و سيارةً كان يعمل على نقل الناس بها كمصدرٍ لرزقه ، و اشترى بثمنها السلاح الذي وجد فيه الضمان لتحقيق الحلم الأكبر بالشهادة .

و حين كان يسأله الناس ماذا تركت لأسرتك ؟ كان يجيب .. الله و رسوله ، و كانت الشهادة على مرمى لحظاتٍ من الشيخ مرتين قبل أنْ ينالها فعلاً .. الأولى حين أصيب برصاصة في ساقه خلال اشتباكٍ مسلّح تصدّى فيه مع رفاقه في السلاح لمحاولة اجتياحٍ صهيونية لمخيّم نور شمس ، و الثانية بعد أنْ تعرّض سجن المقاطعة في طولكرم للقصف بصواريخ طائرات الـ (أف 16) حيث كان محتجزاً لدى السلطة إثر موقفه الرافض لوقف إطلاق النار ، و قد أتَت الصواريخ على مبنى المقاطعة بالكامل و تمكّن و رفاقه داخل السجن من الخروج رغم إصابتهم .

 

و تحقّق الحلم :

مع إعلان الاحتلال عن مخيّم جنين و البلدات القديمة في نابلس كأهمّ أهداف حملته المرتقبة فيما يسمّى عملية السور الواقي حمل الشيخ سلاحه و انطلق إلى مخيّم جنين للمشاركة في الدفاع عنه و تسطير أروع ملاحم البطولة الفلسطينية في وجه العتاد الصهيوني المدجّج بالقتل و الدمار ، حيث تقول زوجة الشهيد (أم العبد) إنها لم تعلَم بنيّته التوجّه إلى هناك إلا بعد أنْ تلقّت اتصالاً منه أبلغها خلاله أنّه قد وصل إلى المخيّم بسلام و أنْ لا عودة منه إلا بانتصارٍ أو محمولاً على الأكتاف.

و قد تحقّقت إحدى أمنيتيّ الشهيد الذي لم يترك في حديثه أيّ مجالٍ للتراجع أو النكوص ، فقد قاتل قتال الأبطال حتى فرغت ذخيرته و هدم المنزل الذي كان يتحصّن به عليه بصواريخ الاحتلال ليكتشف جثمانه بين الأنقاض بعد أيامٍ من انتهاء معركة جنين الأسطورية بقيت خلالها حكاية مصير الشيخ في طور المجهول إلى أنْ وُجِد جثمانه خلال عمليات البحث و ليس في يده سوى مسبحة لم تكن تفارق أصابعه و مصحفاً كان يجدُ في تلاوة آياته نور دربه نحو الشهادة ، و بندقيّته التي باع كلّ ما يملك للحصول عليها و نقش اسمه برصاصها في كتاب الخالدين .

 

و تتواصل الحكاية بعد استشهاده :

و تواصل أم العبد حديثها عن حكاية زوجها مع عشق الشهادة إلى قصة الصبر و الثبات الذي يسطّره الفلسطينيون في كلّ فصلٍ من ملاحم بطولاتهم التي لا تنتهي إلا بزوال الاحتلال .

فبعد استشهاد الشيخ و نقله إلى طولكرم التي خرجت عن بكرة أبيها لتزفّه إلى مقبرة الشهداء حضر نجله "سيّد قطب" من الخليل حيث يدرس في جامعتها لإلقاء النظرة الأخيرة على والده ، غير أنّ جنود الاحتلال أوقفوه على الطريق و قاموا باعتقاله و أبلغه أحد الضباط أنّ الاعتقال ليس إلا لأنّه ابن الشهيد رياض بدير حيث حُوّل للاعتقال الإداري .. و تضيف أم العبد أنّ التضحية التي قدّمتها ككلّ الأمهات الفلسطينيات لم تقتصر على تواصل اعتقال الشيخ و إصاباته بالرصاص و الشظايا و أخيراً استشهاده و إنما بصبرها على اعتقال الأبناء ، حيث سبق لنجلها الأكبر "عبد الفتاح" أن اعتُقِل مرتين في سجون الاحتلال أولاهما و هو مازال طفلاً و أمضى أكثر من سنتين في سجونٍ مختلفة ليعاود المحتلّ اعتقاله كذلك بعد استشهاد والده حيث يقبع الآن في سجن نفحة الصحراوي .

أمّا النجل الثاني "سيد قطب" فهو الآخر تعرّض للاعتقال ثلاث مرات كذلك أولاها كانت في طفولته ، كما كان منزل الشهيد هدفاً للتخريب و التفتيش و العبث على يد قوات الاحتلال خلال حملاتها المتواصلة و اقتحامها لمدينة طولكرم ، لكنّها مع ذلك لا تبدي أيّ مظهرٍ من مظاهر اليأس و القنوط أو الندم بل تعتبر أنّ ما قدّمته أسرتها مثالٌ بسيط على التضحية الفلسطينية التي تمتدّ لتشمل آلاف الأسر الباحثة عن شمس الحرية خلف ليل الاحتلال .

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين