واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
تاريخ نابلس
مرة أخرى.. نابلس والخبز المر

تم النشر أول مرة بتاريخ26/09/2005 02:04:00

2002/09/30

نابلس تواجه التدمير للمرة الثالثة في هذه الانتفاضة

كتب الصحفي العربي أحمد بهاء الدين، عندما تعرضت نابلس في الأشهر الأولى للاحتلال الإسرائيلي عام 1967 لحصار شديد وهجمة شرسة مقالا في مجلة "المصور" في عددها الصادر في سبتمبر 1967 بعنوان "نابلس والخبز المر" قال فيه: "المدن عندي كالأشخاص! هناك الشخص الذي تنجذب إليه وتحبه من الوهلة الأولى وكذلك المدن.

ونابلس العربية من المدن التي وقعت في حبها من النظرة الأولى.. يوم بكيت المدن العربية وهي تسقط بكيت نابلس بكاء خاصًّا، ساعتها قفزت إلى مخيلتي كل الوجوه التي عرفتها، وفي المقدمة صديقي العلامة قدري حافظ طوقان، وكل المرافق والآثار والحدائق الكبيرة التي تتنزه فيها العائلات على صوت نوافير المياه، والمباني الحجرية والشوارع القديمة التي تشعر بعد دقائق من السير فيها أنك تسير في الغورية وفي سيدنا الحسين بالقاهرة...".  

ويتابع "الآن نابلس الأبية تعيش تحت الحصار والاحتلال، ويتربص في جنباتها الموت، وتخلو المدينة من أهلها، وتصمت أصوات النوافير؛ فلا يسمع الناس إلا أصوات الرصاص ودوي القنابل! وأنباء هذا الأسبوع تقول: إن نابلس في قلب المقاومة والنضال، وهي اليوم مركز العذاب".  

التراث أيضا يُذبح  

وهاهي مدينة نابلس التي تعتبر ثاني أقدم مدينة في العالم بعد أريحا، منذ نيسان الماضي تتعرض إلى حصار شديد لم يسبق له مثيل، وهجمة احتلالية طالت الشجر والحجر. فقد تعرضت عشرات المباني الأثرية ذات القيمة التاريخية داخل البلدة القديمة بشكل خاص -وما تزال- إلى عمليات مبرمجة من الهدم والتدمير؛ حيث تقوم المجنزرات والجرافات الإسرائيلية بذبح تراث إنساني عريق يمتد إلى مئات السنين.  

 وقد جاء اسم نابلس تحريفًا لاسمها اليوناني "neapolis" -بمعنى المدينة الجديدة- تمييزًا لها عن مدينة "شكيم" التي دُمرت سنة 67م زمن الإمبراطور "نيرون" الذي أرسل أحد قادة جيشه بحملة عظيمة دمرت شكيم بالكامل بسبب تمرد سكانها.

وهي من أقدم مدن العالم في موقع "تل بلاطة" وهي بلدة كنعانية. وقد شيدت نابلس الحالية ما بين سنتي "71-72م" غرب مدينة شكيم المدمرة، كما أنها احتلت مكانة هامة منذ العصر الوسيط. ووصفها "ابن الفضل العمري" بالإشارة إلى أن جميع المدن الفلسطينية كانت تحتاج إلى ما تنتجه نابلس من خيرات. وهي العاصمة الطبيعية للإقليم الجبلي.  

ونابلس مدينة مستطيلة قليلة العرض في واد خصيب بين جبلي عيبال الذي يبلغ ارتفاعه "880 مترًا" عن سطح البحر شمالا، وجبل جرزيم ويبلغ ارتفاعه "940 مترًا" عن سطح البحر جنوبا، والمسمى بجبل الطور أيضا. وبلغ عدد سكان محافظة نابلس في الإحصاء السكاني الذي أجري عام 1997م حوالي 180 ألف نسمة، موزعين على المدينة و4 مخيمات للاجئين تحيط بها، بالإضافة إلى أكثر من 70 قرية تتبع المدينة.  

المدينة.. متحف طبيعي  

نابلس ثاني اقدم مدينة يواجه أهلها الاحتلال والهدم 

وتتكون نابلس القديمة من سوقين: الأولى تمتد من الباب الشرقي حتى نهاية الباب الغربي، أما السوق الأخرى فتقع إلى الشرق من السوق الأولى، يبلغ طولها نصف طول السوق الأولى.  

وتزخر المدينة بالجوامع والمساجد؛ حيث يبلغ عددها أكثر من 75 مسجدًا (وهو عدد كبير بالنسبة لمساحتها الجغرافية) فسميت "مدينة المساجد"، منها المسجد الكبير على أبواب السوق الشرقية التي كان الصليبيون قد حولوها إلى كنيسة كبيرة عُرفت باسم "كنيسة البعث". وعندما تحررت المدينة عقب معركة حطين حمل هذا الجامع اسم المسجد الصلاحي الكبير.  

كما يعتبر جامع "الخضراء" الواقع في حي الياسمينة من المساجد الرائعة التي شيدت في العصر المملوكي، بناه السلطان "سيف الدين بن قلاوون" وكان على النمط القوطي، وكذلك جامع الأنبياء والعامود والساطون والبيك.  

 وعلى غرار المنازل السورية القديمة اهتم سكان المدينة الأوائل بتشييد منازلهم لكي توفر لهم أسباب الراحة؛ حيث الغرف الكبيرة والقاعات الواسعة وبرك المياه التي تتوسط ساحة البيت، وهو ما دفع الرحالة "أوليا جلبي" إلى تشبيهها بالحصون. وكان سكان نابلس يستخدمون الحجارة الكلسية الصلبة في البناء، وهو ما يجعل المدينة تبدو كأنها متحف طبيعي؛ حيث الأنماط المعمارية المختلفة، منها الإسلامي والأيوبي والمملوكي والتركي والإنجليزي والحديث.  

كما تضم البلدة القديمة عددًا من الحمامات التاريخية يبلغ عددها الآن 10 حمامات كانت تستخدم قديمًا للاستحمام، بالإضافة إلى أهميتها العلاجية، مثل حمام الريشة والدرجة والشفاء. وتشتهر نابلس أيضًا بمصانع الصابون والملبوسات، ولا ننسى مصانع الحلويات وخاصة الكنافة النابلسية الشهيرة.  

الاحتلال الثالث على التوالي  

وهذه هي المرة الثالثة التي تعايش فيها نابلس حصارًا مشددًا واحتلالا كاملا من قبل الجيش الإسرائيلي هذا العام.

فمع بدء عملية "السبيل الحازم" في 19-6-2002 اجتاحت عشرات الدبابات والمدرعات الإسرائيلية أرجاء المدينة، وفرضت على سكانها نظام منع التجول، وعزلتها عن المحيط الخارجي لها؛ حيث سبق أن تعرضت المدينة لاحتلالين متتالين، كان أولهما خلال عملية "السور الواقي" أوائل نيسان من العام الحالي، حيث بقيت مدة 22 يوما متواصلة تحت احتلال وحظر تجول متواصل، وشهدت أحياؤها وخاصة داخل البلدة القديمة اشتباكات عنيفة بين الشبان الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين؛ فاستشهد 80 مواطنا، وأصيب المئات من الأهالي.  

وفي المرة الثانية دخلتها القوات الإسرائيلية مدة أسبوع كامل في 29-5-2002 خرجت على إثرها خالية الوفاض.  

وخلال الاحتلال الحالي -الذي دخل شهره الثالث على التوالي- كانت البلدة القديمة أكثر الأحياء تعرضًا للإجراءات القمعية القاسية والاحتلال العسكري المكثف والحصار وتدمير المنازل وتفجير الأبواب والمحال التجارية.

فقد بلغت عدد البيوت التي فجرتها القوات الإسرائيلية في المدينة 25 بيتا وأكثر من 100 محل تجاري.  

النسف لمرور الدبابة  

نابلس تراث وجمال يحاولون نسفه 

كما طال التدمير المساجد الأثرية في المدينة؛ فجامع الخضراء المملوكي تعرض خلال الاجتياح الأول لدمار كبير أجهز على ما تبقى منه خلال الاجتياح الأخير.  

وبمجرد الوصول إلى مدخل السوق من ناحية الشرقية تجد أن معالمها قد تغيرت تماما.. فبعد أن كان هناك صفان من المحال التي تبيع الخضار يفصلهما شارع ضيق تحول المكان إلى شارع يزيد اتساعه عن 10 أمتار تسير فيه شاحنة كبيرة بكل أريحية؛ فقد نسف الجيش الإسرائيلي جميع تلك المحال بدون استثناء، وجرف أحجارها، وفتح بدوره ممرا واسعا ومنفذا لداخل البلدة القديمة.  

وما إن تصل إلى أبواب المسجد الصلاحي الكبير الذي يقع في صدر البلدة القديمة من الناحية الشرقية حتى يبدأ الأمر يسوء؛ فالدمار -على حد قول الكثيرين- لا يمكن وصفه، والخراب منتشر في كل مكان، والبيوت الأثرية القديمة التي كانت نوافذها الجميلة تطل على السوق تحولت إلى مجرد أطلال تقف للبكاء عليها وعلى ساكنيها. ويشعر المرء بالخوف أثناء السير من انهيار بعض الجدران التي ما زالت متماسكة، ولكنها على وشك السقوط، أو من التعثر بأكوام الركام والجدران المنهارة التي ارتفعت عن الأرض إلى درجة أصبح من المستحيل معها رؤية الطرف الآخر من الحي التاريخي الذي ظل شاهدًا على عراقة المدينة قرونا طويلة.  

ولم يكن خان التجار -ذلك المعلم الأثري والتجاري الذي يميز نابلس عن غيرها من المدن الفلسطينية، والذي يحوي بين جنباته عشرات المحال التجارية التي تبيع الألبسة والأحذية والتحف، وتغطيه قبب مسقوفة جميلة، ويؤمه السياح من كل حدب وصوب- بأحسنَ حالا؛ فقد تحول في لمح البصر إلى ما يشبه الأرض الخراب التي هجرها ساكنوها من آلاف السنين.  

أما حي القصبة (وهو الحي الذي شهد مواجهات دامية بين الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال، وكان بمثابة القلعة التي يتحصن فيه المسلحون) فتقف فيه عدد من البيوت شامخة بعد أن استعصت على الهدم، لكنها أصبحت الآن وحيدة وسط مئات المنازل التي سوتها الجرافات الإسرائيلية بالأرض؛ فلقد دارت هناك معارك ضارية بين المقاومين الفلسطينيين وجيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يجد طريقا للتوغل داخلها إلا من خلال منازل المدنيين، حيث استطاعت وحدات "كوماندوز" إسرائيلية بفتح ثغرات في هذه المنازل من خلال هدم جدرانها، ثم عملت عشرات الجرافات الإسرائيلية على توسيعها وهدم ما تبقى منها بعد ذلك.  

 ولم تسلم المدارس من الهدم والتدمير؛ فقد أقدمت القوات الإسرائيلية خلال الاجتياح الأول على تدمير أجزاء من مدرسة الفاطمية التي شيدت عام 1905. وبعد البدء بإجراء الترميمات عاودت الدبابات لهدم عدد من فصولها الدراسية.

وتكرر الأمر عندما قامت جرافات الاحتلال بهدم أجزاء من مدارس الجاحظ وعبد المغيث الأنصاري وجمال عبد الناصر وغيرها. كما هدمت قوات الاحتلال أجزاء من سوق الحدادين وعددًا من الحمامات في المنطقة الغربية التي تعرضت لحملة تدمير وهدم واسعة. وشمل الهدم أجزاء أثرية من الأقواس والقناطر التي بُنيت فوقها المنازل التاريخية القديمة.  

الهدف.. تهجير السكان  

واعتبر سعيد كنعان -مدير مركز البحوث الفلسطينية في المدينة- أن ما حصل من تدمير في البلدة القديمة مخطط ومدروس منذ فترة طويلة من قبل إسرائيل لتحقيق هدفين: الأول: تدمير التراث الإنساني والحضاري للمدينة؛ وذلك لفك الارتباط بين المواطن وتراثه لتصبح المدينة القديمة خالية من هذا التراث الذي يربط الإنسان بحضارته.  

والثاني -وهو الهدف الإستراتيجي لحكومة شارون-: وهو تحقيق فكرة "الترانسفير"، وليس من المصادفة التركيز على نابلس كبرى مدن الضفة الغربية والقلعة الصامدة تاريخيا بهدف جعلها نموذجا لباقي مناطق فلسطين، كما أن التدمير يهدف إلى جعل حياة الإنسان صعبة جدا ومستحيلة.  

ويقول الحاج أبو نواف -71 عاما-: كنا نسمع آباءنا وأجدادنا يقولون: إن المدينة وقعت سبع مرات في زمن نيرون وزلزال شعبان/ مايو 1201؛ حيث مات تحت الأنقاض ثلاثون من السكان، وكذلك خلال هزة عام 1927 التي أصابت العديد من المدن الفلسطينية، بالإضافة إلى النكبة عام 1948 والانتفاضة الأولى عام 1987 والثانية عام 2000، وغيرها الكثير من الأحداث، إلا أن نابلس كانت دوما تخرج منتصرة لتبقى عراقة نابلس راسخة في ذاكرة التاريخ.



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين