واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
تلاتة بعشرة العكوب

تم النشر أول مرة بتاريخ01/10/2005 01:22:00

 

توقف أحد الاصدقاء الاجانب الذي كان برفقتي بينما كنت اصطحبه في زيارة الى البلدة القديمة لرؤية الاكياس الكبيرة الملقاة على قارعة الطريق وسألني مستفسراً عن هذه النبتة الشوكية الخضراء، إحترت في أمري ولم أعرف كيف اشرح له مكونات هذه المادة وفوائدها الغذائية (المعدومة)، أبدى صديقي عجبه من قدرة أهل هذه البلدة على الاستفادة من هذه النباتات الشوكية، شرحت له كيف نقوم بازالة الاشواك الموجودة حولها والطقوس والتقاليد الاجتماعية المرافقة لعملية تحضير العكوب وطبخه وتخزينه في الثلاجات وحفظه لأشهر طويلة، حيث تقوم سيدات المدينة بعقد حلقات تعكيب العكوب في ساعات الصباح والمساء، يجلسون في حلقات بينما تمسك كلاً منهن سكينا او مقصاً وتقوم بازالة الاشواك وقد تحولن أصابعها الى اللون الاسود من كثرة التعكيب، لكنها لا تتوانى عن التوجه الى منزل جارتها لمساعدتها في تعكيب عشرين كيلو غراما اضافيةً من العكوب، انه طقس نابلسي انفردت به هذا المدينة وسكانها، لكنني نسيت ان اقول لصديقي الاجنبي ان هذه الوجبة الغذائية لا تحتوي على اي فيتامين او فائدة غذائية على الاطلاق.

 

وبعدما تقوم سيداتنا بإنجاز مهمتهن في تعكيب العكوب، يقمن بتسفير كميات منه للاقارب والحبايب في الخارج، طبخة للاخوال في السعودية، وطبختين للخالات في دبي، وأكم طبخة للنسايب في عمان، ويا ريت اللي بعرف حدا طالع ع عمان يحكيلينا معه بلكي بيقبل يحمللنا شوية عكوب معاه.

 

وبعد هذه المغامرات العكوبية، وبعد حفظ كميات كبيرة منه للاهل والاقارب، فوجئنا بانقطاع التيار الكهربائي لمدة اسبوع عن المدينة بفضل الاجتياح الكبير الذي تم في شهر نيسان 2002، ولما شاهدت كميات العكوب المخزّن وقد تلفت بسبب انقطاع التيار الكهربائي، بكت والدتي حسرة على عشرات الساعات التي قضتها في تحضير هذه الكمية من العكوب لشقيقياتها في الاردن. يا الهي ما أبغض هذا الاحتلال الذي يحرم البسطاء حتى من فرحة او بسمة متواضعة.

 

وعلى ذكر العكوب والمواد الغذائية التي كنا نقوم بتسفيرها للاردن، يحضرني في هذا المقام ما كان يقوم به والدي كلما كانت تسافر والدتي الى الاردن او كلما سافرت أنا بعد اجازتي الصيفية، إذ كان يقوم بشراء كميات من اللخنة الخضراء المزروعة في أودية غرب المدينة بينما تقوم والدتي بغليها وتعبئتها في اوانٍ خاصة لتصبح جاهزة للتسفير، كانت اللخنة النابلسية ذات أهمية متميزة لدى النوابلسه المقيمين في الاردن، أما الجبنة النابلسية فللحديث عنها شجون وشجون، إذ أصبح شهر آذار شهراً مميزاً كل عام لما يرافقه من مواسم غلي الجبة وتقطيعها، كان لرائحتها وهي ُتسلق على النار الساخنة نكهة متميزة ترافقها رائحة عطرة للمسك الطيب، حيث تلتف الاسرة حول الاوعية الكبيرة لإخراج الجبنة المغلية وكبسها وتناول بعض القطع منها مع الخبز الدافىء في ليالي آذار الباردة.

 

ولا يغيب عن بالي موسم الزيتون والزيت، ذلك الموسم الذي إعتدنا فيه على إرسال بعض التنكات من خير السنة الى الاردن للاهل والاقارب والانسباء، إذ يقوم الضحية (المسافر) بحمل تنكة او أكثر من الزيت والزيتون ترافقها نصيّة (تنكة صغيرة) من الجبنة ويتجه بهم الى الجسر، يتم وضع هذه المواد إما قي صندوق السيارة او على سقفها، ويبقى المسافر متوتراً قلقاً خائفاً على مواده الغذائية من التلف او السقوط على الارض، وكثيراً ما تنفتح احدى أغطية هذه التنكات لتتدفق حبات الزيتون المرصوع بالليمون والملح والفليفله بين اقدام المسافرين الذين ينقضون على الباص لحظة وصوله لنقلهم من جسر الى آخر في رحلة العذاب الحدودية المعقدة، وبينما يقوم المسافر بالاهتمام بجمع اشلاء تنكة الزيتون المكسرة يقوم الجندي المكلف بتفتيش الحقائب بمصادرة الزعتر البري بحجة حماية البيئة وعدم تشجيع قطف هذه النباتات البرية، وبذلك يزداد بؤس المسافر الذي خسر بعضاً من زيتونه والكثير من زعتره.

 

وعلى قشط الباص، ذلك القشط الذي يحمل الحقائب ويصعد بها الى السقف، بينما تتمزق قطع الألاز النابلسي (الكلاج) الذي طلبته الجدة او العمة، ُترى ما هو حال كيلو الالاز الذي قمنا بوضعه بعناية في الحقيبة؟ هل تكسرت قطعه وتحولت الى فتات! كم أخشى من إندلاق علبة القزحة وأنا أرى كيف يقوم العتال بالتعامل مع الحقائب بوحشية، ليتني لم اقبل ان احمل معي هذه الزلابية، إن سكرها المعقود يخترق علبتها ليحول كل ما بحولها الى دبق.

 

هذه بعض من الذكريات المرافقة لرحلة العذاب التي مرت بها كل أسرة فلسطينية قام الاحتلال بتمزيقها الى عائلات متناثرة بين ضفتي نهر الشتات وجسر العودة، هي رغم بساطتها مليئة بما يعتصر القلب من ذكريات ومشاعر تتوجه يومياً الى الوطن لتقدس ترابه ورائحة خبز طابونه، قد يكون من الواضح جداً وجود كل ما تشتهي النفس من ملذات وطيبات وخيرات في الجزء الشرقي من النهر، لكن حنين المغترب لكل ما تمت زراعته في تراب الوطن حنين دائم لا يفهمه إلا كل من ذاق مرارة الغربة وعذاب البعد عن الوطن الأم، هو بالاحرى حنين التراب لنصفه في الضفة الاخرى.

 

 

  



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين