واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
كأننا عشرون مستحيل

تم النشر أول مرة بتاريخ20/10/2005 05:47:00

فتح دكانه الصغير متأملاً ان يكون هذا اليوم أفضل من الأمس، بادرته فكرة جديدة للخروج من الركود الاقتصادي الذي يمر به السوق وذلك من أجل الحصول على لقمة العيش لأطفاله، فكر كثيراً في تصميم جديد لحذاء عصري فيه من الحركات ما يلفت إنتباه الزبائن، وفيه من التعقيدات والتصاميم ما يستنفذ الكثير من الوقت والجهد، كانت فكرة انتاج كمية من هذا الموديل الجديد مغامرة قد تستحق البدء بها، لكن مسألة الحصول على رأسمال كاف لشراء الجلود اللازمة والمواد الاولية مسألة تحتاج الى بيع ما تبقى من أساور الوالده.

 

فكر والدي ملياً وهو يحاور تاجر الجلود، لكنه عقد العزم وتوكل على الله وهو يرى أن لا مجال أمامه سوى البحث عن بريق للأمل، اصطحبني معه لأتعلم فنون الشراء ولأتعلم كيف أتعرف على أنواع الجلود الطبيعية ذات الرائحة المميزة، يا لرائحة تلك الجلود! كم أشتاق لها الآن، لقد إغرورقت عيوني بالدمع حين مشيت مره في أحد أزقة البلدة القديمة في دمشق وذلك حين مررت ببائع للجلود الطبيعية، شممت رائحة تلك الجلود التي أعادتني الى رائحة دكاننا الصغير وذكرياته، حملت الجلود والنعل الطبيعي على العربة وتوجهت بهم الى دكاننا الصغير حيث بدأنا بتصنيع الأحذية الجديدة، كانت ذات ألوان جميلة، منها البني ومنها العسلي، واستغرقت عملية انتاجها وقتاً مضاعفاً نظراً للتعقيدات التي تم إدخالها على الموديل الجديد من أجل تسهيل تسويقه في سوق يسيطر عليه الركود الاقتصادي وضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

 

لم أتوقع أن نخرج من تلك الازمة المالية الخانقة يوماً، كانت من أسوأ الأزمات التي مررنا بها في حياتنا، بدات تفاعلاتها بالانعكاس تدريجياً على المجتمع الفلسطيني كنتيجة طبيعية للآثار الاقتصادية الناجمة عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ترتب على هذا الاجتياح مشاكل اقتصادية كبيرة ضربت الاقتصاد الاسرائيلي والعملة المحلية (الليرة) والتي اصبحت تعاني من تضخم كبير، وفقد آلاف العمال الفلسطينيون أعمالهم نتيجة لذلك.  

 

حاول والدي تسويق ما قمنا بإنتاجه دون جدوى، اضطررنا لخفض اسعار البضاعة الى ادنى المستويات دون تحقيق أي انجاز، زادت الامور سوءاً ولم نستطع الحصول على النقود الكافية لتغطية تكاليف مصاريف حياتنا اليومية، وتراكمت علينا الديون، سواء للتجار او لغيرهم من الاصدقاء الذين وقفوا الى جانبنا، أصبحت لقمة العيش حلماً إستراتيجياً يسعى الانسان الى تحقيقة وما عدا ذلك كان مجرد كماليات، أصبحت الملابس مسألة كمالية وما سواها من مطالب إنسانية مجرد كماليات لا أولوية لها في حياتنا.

 

إستمر الوضع على ما هو عليه لأكثر من سنة، قررت حينها الحكومة الاسرائيلية تحويل اسم العملة الاسرائيلية من الليرة الى الشيكل، وبسبب استمرار الازمة الاقتصادية وتراكم مشكلة الركود الاقتصادي، قامت الحكومة لاحقاً بالتخلص من التضخم الاقتصادي وحذفت ثلاثة أصفار من على يمين العدد، واستبدلت الالف شيكل بشيكل واحد فقط، مما ادى الى تخفيف المشكلة الاقتصادية خاصة بعد الانسحاب الجزئي من لبنان عام 1985، عشنا تلك الفترة في ظل ظروف اقتصادية صعبة للغاية تناوبنا فيها أنا وشقيقي على استعمال المعطف الازرق الذي قامت جدتي بشرائه لنا من بالة سوق الطلياني في عمان، يا لهذا السوق كم كرهته، لماذا يلبس الناس ملابس جديدة بينما لا نستطيع لبسها! لماذا نشتري ملابسنا من الباله؟ متى سنستطيع شراء ملابسنا من الاسواق المحلية؟ متى سنستطيع شراء الملابس المحلية الثمينة والكف عن شراء الملابس المستعملة الرخيصة من عمان؟ كنت أعمل يومها في محل تجاري لبيع الملابس في خان التجار القديم في البلدة القديمة في مدينة نابلس، كنت أراقب نظرات معلمي الى ملابسي وقبة قميصي الطويلة التي يعود موديلها الى سنوات مضت، قمصان عفا على تصاميمها الزمن ولم يعد يلبسها إلا من لا حيلة له على شراء الملابس الجديدة.

 

تذكرت قصة هذه القمصان بينما كنت أدرس مادة علم الجمال في كلية الفلسفة في جامعة دمشق وذلك حين شرح لنا الدكتور الفرق بين القيمة الجمالية والقيمة النفعية للاشياء، فهمت منه أن لكل شيء قيمتان، قيمة نفعية وأخرى جمالية، ويزداد إهتمام المرء بالقيمة النفعية كلما زاد فقراً بينما يزداد اهتمامه بالقيمة الجمالية كلما ازداد ثراءاً، وبالفعل، فقد كانت جدتي تقول لنا كلما جاءت من عمان محملة بالملابس القديمة: "يا ستي، هاي البلوزة بتدفي بالشتوية" لم تلتفت جدتي الى موديل البلوزة القديم بل انتبهت الى القيمة النفعية لهذه البلوزة، ومن يومها، لم أهتم إلا نادراً بأناقة ملبسي حتى حين تحسن الحال، إذ كانت نظرية القيمة النفعية قد طغت على القيمة الجمالية في تكويني الفكري والشخصي والسيكولوجي.

 

ومما زاد الطين بلة، وقوع اضطرابات وأحداث عنف ومظاهرات في المدينة إحتجاجاً على المجازر الاسرائيلية في لبنان وما رافقها من أحداث دراماتيكية، ثم قامت سلطات الاحتلال بفرض نظام لحظر التجوال على البلدة القديمة، ذلك الحظر الذي تكرر عدة مرات حتى في الاعياد الدينية، وأذكر كيف ُحرمنا من بهجة أول يوم للعيد وذلك بفرض نطام حظر التجول صباح كل عيد، واستمر الحظر لليومين الاوليين من كل عيد، وتكررت هذه المأساة عدة مرات ُحرم فيها جيلنا من أي بهجة للعيد، كيف نستمتع بالعيد ونحن نسمع أصوات المآذن تنادي على صلاة العيد من مساجد المدينة بينما نحن، سكان البلدة القديمة، محرومون من الخروج من منازلنا بأمر من الحاكم العسكري لمدينة نابلس.

 

كان السؤال الاهم هو كيفية قيام والدي بتدبير احتياجاتنا من الغذاء ولم يك قد استطاع الخروج من المأزق المالي الذي نمر به! ما هو شعور الأب حين يشاهد أبناءه الصغار يقبعون في المنزل لا حول لهم ولا قوة بينما لا يستطيع الوقوف على شرفة منزله، وإن فعل ذلك، فإنه سيتعرض لاطلاق الرصاص او لاطلاق قنبلة مسيلة للدموع! الا يعرف هؤلاء الجنود أن هناك أفواهاً جائعة لا تعرف معنى الاحتلال ولا تستوعب تعريف مفهوم نظام منع التجول! إنني اشعر الآن بالغصة التي كانت في صدر والدي حين كان ينظر إلينا ولا يستطيع الخروج من منزله للبحث عن لقمة للعيش، ومما راكم شعوره بالاسى أن الاسواق راكدة ومصادر الدخل شبه معدومة في ظل هذه الخطط الاقتصادية الاسرائيلية المضطربة التي دمرت الاقتصاد الاسرائيلي بشكل كبير وبالتالي تدمر الاقتصاد الفلسطيني، كان يشعر والدي أنه محاصر ليس فقط من قبل الجنود بل من قبل هذه الحكومة التي يراسها متطرف إسرائيلي اسمه اسحق شامير.

 

وبعد رفع حظر التجول، وتراكم المزيد من الديون على والدي ودكانه، وبعد أن بدأ العمال بالعودة لأعمالهم في السوق الاسرائيلي، قرر والدي السفر الى يافا للبحث عن عمل، كان بعض زملائه الاصغر سناً قد ذهبوا للعمل هناك، إستيقظ والدي قبل الفجر، أعدت له والدتي زوادة يقتات بها في رحلته الشاقة للبحث عن عمل في مشاغل الاحذية في يافا او تل أبيب، وصل ابي الى يافا، مسقط راسه، ذهب الى مشاغل الاحذية، لم يكن متحدثاً للغة العبرية، لكنه كان ممن يستطيعون تدبير انفسهم ببعض المفردات، لم ُيوفق في الحصول على عمل رغم أنه ممن يمتلكون خبرة خمسة وثلاثين عاماًُ في المهنة، كان الدخل الذي تمنحة المشاغل الاسرائيلية لا يستحق عناء السفر والبعد عن الاسرة والاولاد، بالاضافة الى تلوث المناخ الذي يعمل فيه العمال، كان الكثير من اولئك العمال ينامون في يافا وتل ابيب ولا يعودون الى نابلس إلا مرة في الاسبوع، شاهد والدي الذي امضى عشرات السنوات الماضية معلماً في دكانه، حيث كان يأمر وينهى ويصنع القرار الخاص به بحرية واستقلال، شاهد أرباب العمل الاسرئيليين وهم يمتهنون كرامة العمال الفلسطينيين، شاهدهم وهم يصرخون على العمال ويكيلون لهم السباب بالكلمات اللاذعة والالفاظ النابية، بينما يتحمل هؤلاء العمال تلك الاهانات في سبيل لقمة عيش ابنائهم الذين ينتظرونهم في أدغال الفقر في البلدة القديمة من نابلس ومخيماتها، وأذكر في هذا المقام قصيدة للشاعر الكبير توفيق زياد يصف فيها حال العمال الفلسطينيين، ويقول فيها:

 

كأننا عشرون مستحيل

في اللد والرملة والجليل

هنا، على صدوركم، باقون كالجدار

نجوع، نعرى، نتحدى

 

 

ثم يكمل قصيده واصفاً حال العمال ومخاطباً المحتلين:

 

وننظف أرض مطابخكم الزرقاء

لنسف لقمة الأطفال من بين أنيابكم الزرقاء

 

 استكمل والدي جولته غير الموفقة، وحين بلغ به اليأس مبلغه، توجه الى الحي القريب من تل أبيب،  حي المنشية، والذي كان يفصل مدينة يافا عن حي تل ابيب قبل الهجرة عام 1948، ذهب إليه للبحث عن منزل والده، كان في الحادية عشرة من عمره حين هاجر مع اسرته على ظهر سيارة شحن متوجهة من مدينة يافا الى حي الياسمينة في البلدة القديمة من مدينة نابلس، إستذكر والدي حارته التي لم يجدها، فقد تحولت الى شاطىء كبير مليء بالفنادق الكبيرة والعمارات التجارية الكثيرة، لم يتوقع حين هاجر أنه لن يعود بعد أسابيع قليله، هكذا قال له جدي وهو يقوم بدق بعض المسامير على خشبة وضعها خلف الباب حتى يمنع الغزاة من إقتحامه، يا لبساطة جدي المسكين الذي لم يخطر بباله ان الغزاة لن يفتحوا الباب فتحاً بل سيهدموا حي المنشية عن بكرة أبيه، إستجمع والدي قواه وذهب لرؤية حي العجمي في الجزء الاخر من مدينة يافا، حيث شاهد منزل عمه ومحلاته التجارية، وجدها كما كانت يوم الهجرة، لم ُيهدم منها شيئاً، لكن سكانها ليسوا أبناء عمه، تعرف على السكان الجدد وطلب منهم الإذن بزيارة المنزل، سمحوا له بالدخول، وصف والدي المنزل بالتفاصيل الدقيقة لساكن المنزل وهو يهم بالدخول معه، تنفس والدي بعمق كمن يحاول الرجوع بالتاريخ الى الوراء، شاهد الدهان الملون في سقف المنزل وقد حافظ عليه السكان الجدد، وجده كما ُترك عام الهجرة، شعر بالسرور حين شاهد مسجد حسن بك ومسجد السكسك ومسجد العجمي، شعر أنه لا زال في الحياة ما يستحق الحياة، إسترد والدي شعوره بالامل وهو يصلي في مسجد العجمي في مسقط راسه، يافا، إستذكر صباه ووالداه وذكريات الطفوله في هذا المسجد، استرجع ما مضى من أيام عزيزة ترد الثقة بالنفس وتنعش الروح.

 

عاد والدي الى مدينة نابلس ليسرد ما شاهده على والدتي التي كانت سنده ورفيقة دربه في السراء والضراء، قالت له: لا تذهب الى "البلاد" مرة أخرى، ولنحاول البحث عن لقمتنا هنا، لماذا لا تقوم بترقيع الاحذية هنا في البلدة القديمة، وسأساعدك، وسنكتفي بما يرزقنا الله به، وبالفعل، كانت والدتي تساعده ليلاً حين تفرغ الحارة من المارة، وبذلت والدتي جهدها لمتابعة شؤون دراستنا وقد كنا ستة أبناء، وشيئاً فشيئاً، بدأت الامور بالتحسن، وصرنا نلبس الملابس الجديدة، لكنا كنا دوماً أوفياء لتلك الذكريات الاليمة إذ لا شيء يصهرنا ويجمعنا كالألم.

 

 

نابلس، 13 اكتوبر 2005

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) ريم سلامة
القصة أو بالأحرى هذا الجزء من السيرة الذاتية لللأخ علاء جداً رائعة وروعتها لا تكمن بالمعاناه للمواطن الفلسطيني سواء من الناحية الأقتصادية أو القهر من ممارسات الإحتلال وحياة الاجئ ومعاناته. أنا أرى أن الروعة تكمن بالجرأة في طرح القصة في حين أن مجتمعنا والذي يعرف عنه بأنه على قدر كبير من البساطة إلا أن المظاهر تأخذ اهتماماً كبيراً في حياته. لدرجة أنه قد ينكر أنه لاجئ أو أنه يسكن في قرية لكي لا يقول عنه الآخرون أنه فلاح وبالمناسبة أنا فلاحة وأمي لاجئة . وأشكر الأخ علاء على مقالاته الرائعة والممتعة في الحقيقة وأتمنى أن يستمر بإتحافنا مما ألهمه الله من مواهب

2) سيف عيسى
ماذا عساي ان اقول في هذه القصة, ذكرى حزينة من مئات الذكريات الشبيهة, ام الم من مئات الالام التي مر بها هذا الشعب, ان كنت سيدي علاء قادرا على الكتابة و البوح دون خجل بخلجات الصدر فاعلم ان هناك كثيرون اخرون مازلوا يحبسونها في صدورهم, ربما لانهم لا يمللكون شجاعتك ربما التحسن في واقعهم الاجتماعي والوظيفي الجديد يمنعهم من ذلك حفاظا على صورة غلفوا بها انفسهم لعلهم ينسون او بالاحرى يتناسون تلك الايام!,فتذكر تلك الايام السوداء يحتاج الى شجاعة نادرة. ولان مثل هذه الذكريات هي ليست ملك للشخص وانما ملك شعب , فالنعبير عنها وكتابتها ونشرها في رائي من ارقى الاعمال الوطنية.