واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
نابلس: بلد كل مين إيده إله

تم النشر أول مرة بتاريخ07/11/2005 02:13:00

توجهت الى سوق المدينة يوم وقفة العيد حيث إعتدت لقاء الأصدقاء القدامى وكل من لم تسمح ظروفي بلقائهم بشكل منتظم، إعتمدت على اللقاء العشوائي بهم، حيث يذهب الاصدقاء عادة الى السوق في يوم الوقفة إما لممارسة شكل من اشكال العلاقات العامة او للتسوق في اللحظات الأخيرة، وحين وصلت الى دوار المدينة الذي ُيعتبر عاصمة المدينة التي لا بد لكل زائر من التوجه اليه بوصفه عنق الزجاجة، كنت ممن يفتخرون بنظام السير في المدينة وذلك كلما قارنته بأنظمة السير في باقي بلدان الضفة الغربية، حيث كانت السياقة متعة على شوارعها حين كانت منظمة بشرطتها واشارات المرور الضوئية التي نقلت المدينة الى مستوى متميز من احترام انظمة السير والالتزام بها بشكل عصري متحضر.

 

وقفت على رصيف الدوار ونظرت الى الملأ، نظرت الى الفتيات اللواتي يمشين في الشارع، شاهدت فتاتين تحاولان التنقل من رصيف لآخر بين مئات الذكور والعربات والشاحنات والبسطات، وعلى الرغم من حرمة الشهر الفضيل، وعلى الرغم من وجودنا في مجتمع يدعي المحافظة واحترام المراة، شاهدت العيون الشرهة والنظرات الذكورية المقرفة تتجه الى هاتين الفتاتين اللواتي قادهن حظهن السيء الى التسوق وسط المدينة، إنني متأكد أنهن لم يستمتعن بالتسوق كما تتمتعن به فتيات المدن الاخرى، جلست على قارعة الطريق مفكراً، لماذا يغلب على نساء المدينة لبس الحجاب! لقد مارس الذكر كافة اصناف التمييز والإعتداء الجنسي على المرأة في هذه المدينة بشكل لم يترك لها حلأً سوى التحجب خوفاً من الكلمات النابية والحركات الشهوانية الحيوانية التي يمارسها المنحطون من الشبان في الشوارع دون خوف او رادع اخلاقي او ديني، يقوم هؤلاء السفلة بتوجيه ملاحظاتهم وكلماتهم النابية للفتيات أمام مرآى ومسمع افراد الشرطة الذين لا ينبسون ببنت شفة، يقفون في الشوارع لممارسة نفوذهم على البسطاء من أبناء المدينة ولا يجرؤون على الكلام في وجه أزعر يعاكس فتاة او حقير يغمزها بعينيه او يوجه لها اشارة نابية لم اشاهد مثيلاً لها في أي البلدان الغربية التي زرتها، تلك البلدان التي يتبجح منظروا الاخلاق والدين في بلداننا بالادعاء بإنعدام الاخلاق فيها، شاهدت الفتيات في اوروبا يسرن في الشوارع باحترام كما يسير الشبان باحترام ولطف دون ممارسة السخافات التي يمارسها ابناء ديننا وثقافتنا التي تدعي احترام المرأة.

 

بسطات على مد البصر، باعةٌ متجولون جار الزمن عليهم بعد فقدان وظائفهم، وعمال خسروا أعمالهم بفضل سياسة الاستيراد الحكيمة، تحولوا جميعاً إلى بائعين متجولين ينادون بأعلى أصواتهم وسط ميدان المدينة الذي كان أجمل مواقعها بصفته مركزها الحيوي والتجاري، لكن هؤلاء الباعة لم يحترموا المواقع التي قاموا بوضع بسطاتهم فيها، فبالاضافة إلى نشر بضائعهم أمام المحال التجارية، قاموا بانتهاك حرمة الشوارع والمارة واستعملوا مكبرات صوت لا تستعمل إلا في المظاهرات، شوارع تحولت الى مزابل متناثرة في كل مكان من المركز التجاري، باعة متجولون يقومون ببيع اللحوم دون رقابة صحية، وبضائع لا يعلم أحد كيف دخلت المدينة ومن تأكد من مواصفاتها وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

 

أعجبني وآلمني مشهد لرجل يحمل ثعباناً مرهقاً يقوم باللعب به أمام المواطنين والاطفال الذين ُحرموا مشاهدة الحيوانات إلا على شاشات التلفزيون، يتجمع حول الرجل العشرات ممن يرغبون بالتقاط صورة تذكارية بصحبة الثعبان المتمدد على اكتافهم، أتمنى أن أرى المزيد من هذه المحاولات التي تعيد لمواطنينا شعورهم بإنسانيتهم التي ُحرموا من التمتع بأبسط مطالبها طيلة السنوات الماضية.

 

مما يميز العيد في مدينتنا عدم وجود أي نشاط متميز، حيث تقتصر احتفالات العيد على أداء الشعائر الدينية وزيارة القبور التي ُحرمنا متعة الطمأنينة أثناء زيارتها بفضل الممارسات التي يقوم بها بعضهم من اطلاق للرصاص الحي بين حشود غفيرة، يمر بعض المغامرين بالمواطنين ويقومون باطلاق زخات من الرصاص لارهاب الحشود التي جاءت للمقبرة لتذكر عزيز او للبكاء على فقيد، كل مواطن له همه الذي يكفيه ولا ينقصه سوى إرهاب مطلقي الرصاص، يذهب المواطن للمقبرة لقراءة القرآن بخشوع. لا يوجد نشاط يميز العيد عن غيره من الايام، فقد تم إغلاق صالات السينما الثلاث التي كانت معلماً ثقافياً من معالم المدينة، حيث تقدّم العروض السينمائية ثلاثة او اربعة مرات في اليوم الواحد، كانت شبابيك التذاكر مكتظة دوماً، كنت أتوجه لصالة سينما العاصي لمشاهدة فلم كاراتيه في الصباح وفلم هندي في صالة سينما غرناطة في عرض الظهيرة، وأتوجه لاحقاً لمشاهدة عرض لفلم مصري او امريكي في ساعات المساء، كنت من عشاق السينما ومناخها الذي جذب سكان البلدات المجاورة للمدينة طيلة ايام العيد، كان لتدفق هؤلاء الزوار أثراً اقتصادياً جيداً على مرافق المدينة حيث كانت الحركة التجارية قوية طيلة ايام العيد، لم تغلق هذه المحلات ابوابها سوى في اليوم الاول للعيد، كما تميز العيد في السابق بقدرة المواطنين على التوجه الى المتنزهات العامة والمسابح والبحر في أي مكان في فلسطين المحتلة سواء الى البحر الميت او البحر الابيض المتوسط على شواطىء مدينة يافا وحيفا وعكا او الاستحمام في مياه بحيرة طبريا، لكن الرحلات الاجمل كانت الى موقع سياحي غاية في الجمال، يقع هذا الموقع في شمال فلسطين ويسمى  بحمامات "السخنة"، حيث يتدفق إليه آلاف المواطنين  في رحلات عائلية يبدأ تنظيمها قبل العيد، ُيمضي المواطنون يوماً جميلاً في احضان الطبيعة، كما كانت ُتنظم الرحلات الى المزارات الدينية والمواقع التاريخية في فلسطين المحتلة على هامش هذه الرحلات التي كان يقوم شبان طيبون بتنظيمها في مختلف أحياء المدينة.

 

يؤلمني في هذا العيد عدم وجود صالات مغلقة للاطفال، يمارسون فيها العابهم بحرية وأمان، لا توجد مواقع مخصصة للملاهي كما كان الحال عليه قبل سنوات حين كانت ساحة المراجيح تمتد على رقعة كبيرة من الارض فيما يسمى اليوم بالمجمع الشرقي، حيث كانت تتجمع في ذلك المكان عشرات العربات الخاصة ببيع المرطبات والالعاب وكل اصناف تسلية الاطفال، أما الآن، وبعد عشرات السنوات على استخدام المراجيح الخشبية، ترانا نفتقر الى مراجيح اكثر تواضعاً من تلك التي كانت متاحة لنا في الماضي، لقد اقتصرت متعة العيد على شراء بعض الالعاب البلاستيكية للهو بها في المنازل او مداخل الابنية او ارصفة الشوارع، أخبرني أحد مستوردي هذه الالعاب ان نسبة مبيعات الاسلحة البلاستيكية لا تضاهيها أي نسبة من الالعاب الاخرى مما يشير الى مستقبل اسوأ لهؤلاء الاطفال الذين نضجوا على العنف والدماء وقصص الموت.

 

وعلى الرغم من تدني مستوى الذوق والاخلاق في المدينة، إلا أنني أتوجه بالتحية إلى أولئك الذين لا زالوا يحتفظون بما لديهم من أخلاق عالية، أراهم يحترمون إشارات السير رغم حاجتهم للاسراع للوصول الى منازلهم قبل موعد أذان المغرب، رأيتهم يقفون أمام الشارة بانتظار سماحها لهم بالمرور رغم قدرتهم على التهرب منها، اشعر بالسعادة لمشاهدة بعض السائقين الذين لا زالوا يتحلون بهذه الفضائل مما يدفعني للقول ان الذي ينظم علاقات الناس ببعضهم في هذا الوقت الذي ينعدم فيه وجود نظام سياسي او امني في المدينة هو ما تبقى لدى الناس من اخلاق وقيم وهو أمر نادر الوجود في بلد آخر مر بما تمر به هذه المدينة.

 

 

***

 

نابلس، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2005 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) مودي
كلام رائع فعلاً وحقيقه نحن نعيشها والكل مستاء من هذا الوضع الغريب لاحوله ولاقوه الا في الله