واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
وغداً سيصبح ممكنا ما كان يوماً مستحيل

قام بآخر تعديل   بتاريخ  24/07/2012 19:29:17

تم النشر أول مرة بتاريخ17/02/2007 15:01:00

رقم غريب يحمل بدالة بريطانية، صوت انثوي يجهش بالبكاء من الطرف الآخر، صمت رهيب وصوت فتاة باكية تنادي على اسمي، سألتها عن اسمها، وبدلاً من ذكرها لاسمها ذكرت اسمي، كان واضحاً انها مرتبكة مشوشة، قالـت: انا هينا، ارتعش جسدي حين سمعت اسمها، قالت لي: لقد حاولت الحضور لزيارتكم، انني احبكم، اريد العودة الى نابلس مرة اخرى، لقد اعتقلوني في المطار لاثنتي عشرة ساعة، لقد ارهبوني وشعرت بالرعب من معاملتهم، ثم قالوا لي: انت مبعدة الى الابد، ولا تحاولي العودة مرة اخرى.

 سألتني: لماذا لم يسمحوا لي بالمرور! قلت لها: إذا كانت طريقك الى فلسطين غير معبدة فتلك الشهادة انك مناضلة في سبيل حق هذا الشعب في الحرية والانعتاق من العبودية، قالت: لم افعل لهم شيئاً، فقلت لها: لا يحتاجون الى الكثير من المبررات والاعذار ليبعدوك إذ ابعدو ثلاثة ارباع هذا الشعب وهجروه ولم يتوقفوا عن ذلك حتى احتلوا ارضنا واصبحنا لاجئين، فلا تستغربي يا صديقتي لطفهم في معاملتك في المطار.

 ثم سالتني: هل سأتمكن من الدخول مرة اخرى الى فلسطين! لقد قالوا لي أنني مبعدة الى الابد، إنني لا احتمل هذا الشعور، أن يفرض أحدهم عليّ قراراً بالابعاد قسراً، قرارٌ لا يسمح لي برؤيتك ورؤية اصدقائي، لقد وعدتني بأن تأخذني الى الاحياء التي عشت فيها في مدينة نابلس قبل اكثر من سنتين، الى البلدة القديمة حيث تناولنا الكنافة النابلسية وزرنا حمامها التركي وابنيتها القديمة، والى مخيم اللاجئين في عسكر الجديد حيث ينتظرني الاطفال الذين علمتهم رقصة السالسا الاسبانية مع سلمى، والى مضافة نابلس حيث تعلمت تدخين النرجيلة والى الجامعة حيث تعرفت على الكثير من الاصدقاء وأعزهم صديقي عاصم رحمه الله.

 أحبكم جميعا، ولا استطيع ان اتخيل انني مجبرة على البعد عنكم، كنت ابذل جهدي وانا الطالبة الجامعية للحصول على بعض المال اللازم للعودة الى فلسطين، جمعت بصعوبة ثمن التذكرة ومصروف السفر والاقامة في نابلس لعدة أيام، وها هم يسرقون هذا الحلم الذي حاولت ان لا أعلمكم به حتى اللحظة الاخيرة، كنت ارغب بمفاجأتكم به، ففاجئوني.

 اوعدني انك لن تتخلى عني وستساعدني في الدخول مرة اخرى الى فلسطين، ارجوك، لا تتركني، اريد العودة، لا اريد ان اترك لهم القرار، اشعر انني مبعدة، ادركت الآن معنى ان تكون مبعداً، فهمت الآن معنى ان تكون لاجئاً، بهذه الكلمات تلعثمت هينا بينما كانت تبكي، لم تتوقف عن البكاء طيلة مكالمتها الطويلة، هذه المكالمة التي تخللتها لحظات صمت رهيب ولحظات سيطر عليها صوت كصوت الطفل الذي لا يستطيع التنفس من شدة البكاء، لم اعرف بماذا اجيب بعض اسئلتها، كانت تستمتع بالحديث الى فلسطين عبر الهاتف، تستمتع بمجرد وجودها على الخط مع هواء فلسطين التي أصبحت حلماً، قلت لها: إن الحياة مليئة بالمتغيرات، وغداً سيصبح ممكنا ما كان يوماً مستحيل، وستأتين الى نابلس، شرحت لها معاناتي في السفر وعدم قدرتي على التنقل بحرية الى خارج الوطن لبضعة عشر عاماً، وجاء اليوم الذي أصبح فيه الحلم حقيقة وتمكنت فيه من السفر بحرية، بل قلت لها ان لذة الانتظار تفوق لذة تحقيق الحلم بسرعة، بل يرافق هذا الحلم هالة من القداسة والمتعة التي يطيب للانسان المرور بها.

 هينا فتاة بريطانية تحمل من الانتماء لتراب فلسطين ما لا يحمله الكثير من الفلسطينيون، حضرت الى هنا ولم تبلغ حينها الثامنة عشرة من العمر، عادت الى لندن بالمزيد من الطاقة والحيوية اللازمة لتنظيم الفعاليات الخاصة بالقضية الفسطينية، تجاوزت هينا العشرين من عمرها لتصبح احدى الناشطات في المؤسسات الفاعلة في مجال حقوق الانسان، لم تنقطع هينا عن عشق مدينة نابلس التي احبتها، بل عشقتها.

 اذكر حين انتهينا من تنظيم مخيمنا التطوعي الدولي قبل سنتين اننا كنا قد ذهبنا والمتطوعين الدوليين جميعا الى مدينة رام الله لمقابلة الرئيس الراحل ياسر عرفات رحمه الله، تحدثت هينا إليه عن حبها وعشقها لمدينة نابلس والعمل التطوعي الذي قامت به فيها، أعجب الرئيس بكلامها وقبل يدها، ثم قالت له هينا انها ستنقل كل ما تعلمته أثناء مكوثها في مدينة نابلس الى من ستلتقي بهم في لندن، وهذا هو العهد، لقد وعدت فأوفت، لم يتركها الصهاينة تعمل لنشر الحقيقة في لندن، فتم وضع اسمها على القائمة السوداء، بل ما يجب تسميته بقائمة الشرف، هؤلاء هم احرار وشرفاء العالم الذين كنا نسمع عنهم في خطاباتنا السياسية.

 اين انتم يا اشقائي في عالمنا العربي! واين هذا العالم الاسلامي المخصي! العاجز، الفاقد لقدراته على الكلام او الاحتجاج! لن اسالكم شيئاً، إذ سبقني الشاعر حين قال:

لقد اسمعت ما ناديت حياً                     ولكن لا حياة لمن تنادي

 وأما أنت يا هينا، فلا تيأسي، دموعك الدافئة الغزيرة التي فطرت قلبي وأنت تبكين على الهاتف لن تفارقني في ليلي ونهاري، وسأنقلها لكل من آمن بك وبما تؤمنين به وبما عملنا له سوياً، وطن خال من الاحتلال، وطن يعيش فيه أطفال فلسطين بحرية وأمن، نحن على الصراط المستقيم يا صديقتي، لن يضرنا من عادانا. وستأتين لزيارتنا وزيارة مدينتنا، مدينتك، نابلس، التي عشقت وأحببت، وسنذهب سوياً للبلدة القديمة لنأكل الكنافة النابلسية ونلتقط الصور التذكارية أمام المباني القديمة الشامخة التي بقيت تردد انشودة البقاء.

 نابلس، 30 تشرين  الثاني 2006

***



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) مايا
هو ضل فيها هينا وغيرها بعد اللي صار بين حماس وفتح(يا رب الوحدة الوطنية يا الله