واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
انتظرتك طويلا يا شآم

تم النشر أول مرة بتاريخ31/05/2007 04:18:00

بقلم: علاء ابو ضهير

 لم يبق سوى ساعات قليلة على المغادرة الى دمشق، توجهت للنوم في ليلة شديدة البرودة، اقترن البرد بالرعب الذي يسببه الجنود الموجودون على بضعة سنتيمترات من شقتي، كيف احلم بالخروج من المنزل بينما يختبئون هنا! حاولت النوم، رتبت ملابسي ووضعتها الى جانبي كي اكون مستعداً، تماماً كما يفعل الطفل الصغير ليلة العيد، وحين نهضت في الصباح الباكر بعد ليلة قاسية لم اذق فيها طعم النوم، توجهت الى الحمام، ومن شدة التوتر وضعت معجون الحلاقة على فرشاة الاسنان، تساءلت عن سبب تغير طعم المعجون ليتبين لي لاحقاً ما قمت بفعله نتيجة للارتباك، كيف لا ارتبك وانا متجه الى دمشق! لكن هؤلاء الجنود قد يعيقون خروجي من المنزل، ماذا افعل يا إلهي!  يجب ان اخرج. وخرجت.

على الحاجز المؤدي الى مشارف المدينة، اقتربت مني مجندة اسرائيلية وقالت: ربطة عنقك جميلةً، قابلت مجاملتها بمجاملة اخرى، قلت لها: لو لم تكن ربطة عنقي رجالية لاهديتك اياها، لا اعرف لماذا كنت على تلك الدرجة من اللطافة مع هذه المجندة بينما كان زملاؤها يعيثون خراباً في المدينة! لكنني تفاءلت بهذه البداية لرحلة طويلة وشاقة، والحمد لله انني تفاءلت، إذ صدق من قال: تفاءلو بالخير تجدوه.

 

اسرعنا صباح الجمعة الباكر الى دمشق، قلت لزملائي: يجب ان نؤدي صلاة الجمعة في الجامع الاموي، لم يستغرقنا الحصول على غرفة في احد الفنادق سوى خمسة دقائق لنسرع الخطى بعدها الى المسجد، لم افاجأ بالعدد الكبير من المصلين الذين لا يفهمون العربية، كان المسجد مكتظاً بالاتراك والايرانيين والاسيويين من اندونيسيا وماليزيا وغيرها، شردت بينما كان الخطيب يلقي كلمته عن اهمية الصبر والصمود في الكفاح من اجل تحقيق الاهداف التي نسعى اليها كأمة، سرحت في هذه الاعراق الكثيرة التي تزور بلاد الشام، وعدت بذاكرتي الى الوراء، لقد فرض الغرب حصاراً على هذا القطر العربي السوري منذ عشرات السنوات، لم تقف سوريا مكتوفة الايدي، ولم تندب حظها، لم تتسول للدول المانحة قمحها وخبزها، بل اتجهت شرقاً، قامت بتعميق وتوطيد العلاقات مع دول اوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفييتي السابق ودول جنوب شرق آسيا خاصة الاسلامية منها، لماذا نعتقد اننا لا نستطيع التطور دون التعاون او التبعية للغرب! لا تسير في دمشق دقيقة دون ان ترى زائراً من هذه الدول، تستورد سوريا الكثير من منتجات هذه الدول بدلا من استيرادها من الدول الغربية التي تمارس الابتزاز والاذلال لكل من يسير في ركبها، لقد خطت سوريا خطوة متميزة في مجال الاستقلال والبعد عن التبعية الذي نراه في العديد من الدول النامية، واستطاعت جذب ملايين السياح سنوياً، هؤلاء السياح الذين يضخون ملايين الدولارات في الاقتصاد السوري الذي صمد عشرات السنوات رغم مقاطعة الغرب له وعدم بيعه او تزويده لها بالتكنولوجيا.

 

قد يلاحظ الزائر بعض مظاهر التقشف هنا وهناك، ولكنني لا ارى في ذلك عيباً، إذ ما قيمة بناء المؤسسات التجارية الضخمة والمشاريع الكبيرة على ما يجود به البنك الدولي او الدول المانحة، لقد استطاعت سوريا ان تبتعد بنفسها عن التحول الى مجتمع استهلاكي طيلة العقود الثلاثة الماضية، وهي نقطة ُتسجل في صالحها، فالشعب السوري شعب منتج ونشيط، وقد يكون من اكثر النماذج التي تثبت أهمية الاستثمار في القوى البشرية، إذ يتمتع المواطن السوري بخبرات متعددة تؤهله للعمل في اكثر من مهنة وبالتالي يستطيع الاستمرار في حياته ومعيشته مهما ساءت الظروف، كانت جدتي تقول: المهنة ان لم تغني صاحبها فإنها تستره، وهذا هو حال المواطن السوري الشقيق الذي يرضى بالقليل طالما بقي باله هادئاً ولحظة الانبساط لدية متوفرة، إذ توفر الدولة فرصاً ومواقع للترفيه والتسلية للمواطنين ذوي الدخل المحدود، تنتشر الحدائق العامة في الكثير من الامكنة، ولا يخجل المواطن من ركوب دراجته النارية او الهوائية وزوجته خلفه ليسرع بها الى ابعد نبع للمياه ليستجم ويسبح ويدخن النرجيله ويغني مع زوجته وجيرانه: فوق النخل فوق وكنا ستة عالنبعة.

 

في احدى ساحات البلدة القديمة، يقوم الشوام ببيع الفريكة الجافة للزوار ليقوم الزائر بإطعام الحمام المنتشر بكميات كبيرة، لكن الجميل في الموضوع هو قيام بعض الأطفال بجمع هذه الفريكة المتناثرة ليتم إعادة بيعها للزبون التالي. يقوم الحميماتي بالتصفير للحمام ليقوم بالتحليق عالياً في الجو ويجذب المزيد من الحمام، ثم يعطي الحميماتي الاشارة بالهبوط الفوري، ما أجمل هذه الخبرة الشامية في صيد الحمام أوالتجارة به.

 

سرت في مواقع مختلفة من دمشق القديمة، توجهت الى مطعم شامي قديم وعريق، التقيت بأبي دياب، وهو من الشخصيات الشامية العريقة في الغناء الأصيل، إذ يغني في مطعم أبو العز في البلدة القديمة التي تحولت إلى بلدة سياحية عامرة بالمطاعم الشرقية، يستغرق تناول الوجبة في هذا المطعم بضعة ساعات حيث يترنم الزبون على صوت أبو دياب وهو يغني: زمان زمان. يتمتع هذا الرجل المسن بصوت قوي واوتار صوتية فنية وخبرة في الموسيقى ينافس فيها كبار مدرسي الموسيقى، انا واثق من عدم التحاقة بمعهد للموسيقى، لكنه كان دوماً ملتحقاً بنبض الشارع الشامي الذي يعشق الموسيقى الشرقية التي تلعب دوراً هاماً في ثقافة هذا البلد. مما يميز ثقافة المجتمع الشامي احترام الجيل الجديد لعراقة وتراث الجيل القديم، ترى الشبان الصغار يعشقون الموسيقى التراثية القديمة ويغنونها، كما يفتخر شبانها بلهجتهم الشامية ومفرداتها العريقة.

 

كم اعشقك يا حديقة السبكي، أخيراً زرت هذه الحديقة التي زرتها كثيراً في الماضي البعيد، رأيت كبار السن يلعبون الزهر والورق ويستمتعون ببدء الربيع الدمشقي حيث رائحة الازهار المتفتحة تعبق بالمكان، الله لا يتقل فينا ارض، أو الله يحسن ختامنا، هذا هو الدعاء الذي يردده الجميع كلما كبرو في السن، لكنني أدعو الله دعاءاً آخر: اللهم امنحني شيخوخة كتلك التي يستمتع بها كبار السن في الشام، حيث يذهبون إلى الحدائق ليلعبو الزهر أو ليستمتعوا بالربيع الأخضر أو لينظرو إلى المشاة في الشارع ويتجاذبون معهم اطراف الحديث.

 

المسلسلات السورية مصدر هام للدخل القومي السوري، وهي اسلوب راقٍ ومتميز لدعم وتشجيع السياحة العربية الى القطر السوري الشقيق، تمكن السوريون بفضلها من جذب ملايين الدولارات للاستثمار في مختلف القطاعات الفنية والسياحية في سوريا، تتضمن هذه المسلسلات اساليباً حديثةً للترويج المباشر والترويج الضمني، سواء للسلع او المواقع السياحية او الاكاديمية والتعليمية والترفيهية، ترسل هذه المسلسلات اشارات ايحائية للمشاهد، تشجعه على عشق هذه البلد وبيوتها وطعامها وموسيقاها واهلها وشوارعها ومطاعمها وثقافتها ولهجتها.

كما نلاحظ في هذه المسلسلات بعداً هاما خاصاً بتعزيز القيم الانسانية والاجتماعية التي تزعزعت في العديد من المجتمعات، لاحظنا ذلك في مسلسلات ليالي الصالحية وباب الحارة، حيث تتعزز قيم حفظ الامانة والصدق والاخلاص والوفاء والشهامة والدفاع عن الارض والعرض بالاضافة الى قيم التكافل الاجتماعي بين اهل الحي وقيم الزغرتية والابضايات الذين يستغلون قوتهم لخدمة الحارة والدفاع عنها.

ما يميز الفنانين السوريين هو قربهم لمجتمعهم واحترامهم له، يتميزون بعدم وجود مرافقين أو حرس معهم، رأيناهم يسيرون بسياراتهم المتواضعة ويجلسون في المقاهي الشعبية وليس في مقاهي النخبة أو المثقفين ويلعبون الطرنيب والنرد. جلسنا على طاولة مجاورة لمجموعة منهم، كان الفنان جمال سليمان منزعجاً اثناء لعب الطرنيب، يبدو أن الحظ لم يحالفه هذه المرة، تعلو اصواتهم احيانا وتنخفض احيانا اخرى.

 التقيت بشيخ الشباب، أبو صالح (جمال سليمان) في المقهى بعد انتهائه من لعب الورق، حدثته عن التغريبة الفلسطينية واستعمالنا لبعض المشاهد منها إثناء زيارة الوفود الدولية لنا، كما حدثته عن جهودنا في جمع الرواية الشفوية للنكبة الفلسطينية وأبدى إعجابه واحترامه لجهودنا، سألته هل تسمح لي بمناداتك بابي صالح (اسم بطل مسلسل التغريبة) فقال لي: أتشرف بذلك. اعربت له عن اعجابي بهذا العمل الفني الذي استطاع ايصال القضية الفلسطينية الى المواطن العربي بسهولة ويسر.

ليس من الضروري ان تكون من علية القوم لتتمتع بحق التمتع بالمشاركة في الفعاليات الثقافية في سوريا، إذ ضمنت القوانين الاجتماعية الحق للجميع بالمشاركة في هذه الفعاليات، لم احصل على دعوة للمشاركة في حفل للرقص الاسباني، الفلامنكو، والذي تم تنظيمه في صالة الحمراء في دمشق، بل قال لي احد المسؤولين عن الصالة الشهيرة ان الدعوة عامة ويحق للجميع الحضور والمشاركة في الحفل، لم افاجأ حين رأيت الفنانين والفنانات والمثقفين واساتذة الجامعات يشاركون الى جانب الطلبة والشبان اليافعين والشابات في الاستمتاع برقص الفلامنجو. اكتظت القاعة بمئات الزوار، بل احتشد عدد كبير منهم على مدخل الصالة، يا لهذا الشعب الحي الذي يعشق الفن ويقدر اهله.

كان لي شرف مصافحة عدد من الممثلين والفنانين والفنانات ممن شاركو في حضور هذا الحفل، لا يبتعد الفنان السوري عن جمهوره، بل يتشرف بالبقاء الى جواره، سار كل منهم مع صديقه او زوجه او زوجته، اسرعت الى مصافحة من تمكنت من مصافحته، شاهدت تسعة منهم وتمكنت من مصافحة خمسة من بينهم يارا صبري وزوجها، حملتها السلام لابيها الفنان سليم صبري الذي اضع صورته على مسنجري، لم افاجأ بتغير تعابير وجوههم حين قلت لهم انني قادم من فلسطين وان شعبها يحبهم ويعتبرهم من اهل الدار، شعرت بالغبطة حين قام بعضهم بالمبادرة الى تقبيلي حين عرف أنني من فلسطين، قالوا لي ان قلوبنا معكم ونتابع اخباركم وقضيتكم قضيتنا، يا لثقافة الفنان السوري! دائما كانت تعجبني ثقافته ودماثة خلقة.

هذا الفنان الذي طالما قام بتمثيل مسلسلات عن عالم العجائب وذلك الذي مثل مع بسام كوسا، ما رح تزبط، وجهاد سعد وزوجة عجوة واجملهن تلك الفنانة التي صفعت ابن التاجر الثري حين ضربها ليلة الزواج، اقتربت منها وكنت راغبا بشكرها على ضربها لهذا الشاب التافه في مسلسل اسياد المال، كنت احاول ان اقول لها كلمة واحدة : سلمت يدك على ضرب هذا الرجل الشرقي الارعن، لكن وجود طفلها معها وبعض الاصدقاء حالا بيني وبين ايصال تلك الكلمات واكتفينا بتبادل السلام والابتسام.

حفل راقص لفرقة اندلسية ترقص على ايقاعات اندلسية تصهر القلب وتبعده عن متع الحياة المادية لتأسره في عالم الجمال والرومانسية وعشق الفن والروح، كان لصوت هذا الفنان الاندلسي وهو يصرخ مترنما بكلمات اسبانية حنونة وقعها الملامس لزوايا القلب، تمكنت هذه الموسيقى المرافقة للعرض الراقص من ايقاظ ما بداخلي، هذا الانسان الذي بقي محروماً منذ عصور من الاستمتاع بقدراته على التذوق الفني، وتحول مع الايام والسنين الى آلة بشرية.

في الماضي القريب، أي قبل ثمانية سنوات، حين اشتقت لدمشق ذهبت للاندلس، رأيت فيها دمشق وعراقتها وتاريخها وحضارة بني امية، وها انا الان في عاصمة بني امية، هذه البلاد التي استفادت من التاريخ والتراث لبناء الحاضر وتحديد ملامج المستقبل.

ترنم الحاضرون على الايقاعات الاندلسية، كان حفلا شيقا، لفت انتباهي فيه انني لست منسقاً له، بل مستمتعا ومشاهدا فقط، وهذا ما لم اعتد عليه، لقد اعتدت على المشاركة في تنسيق الحدث، وحين يبدأ الفنانون عزفهم، كنت اسقط منهكاً على اقرب مقعد لاستغرق في نومي ريثما ينتهي الحفل، اين امسياتنا من هذه الامسية، لقد شارك قرابة الالف مواطن في مشاهدة هذا الحفل الذي يتكرر كثيراً في دمشق، إعتاد المواطنون منذ عشرات السنوات على امتاعهم بعروض فنية وثقافية ومسرحية عالمية رائعة بدعم من وزارة الثقافية السورية التي لم تنفك عن دعم هذه الفعاليات التي ارتقت بذوق المواطن السوري الى مستوى فذ ورائع، تتم دعوة المواطنين للمشاركة في هذه الفعاليات علما ان المشاركة مجانية، تقوم برعاية هذا الحفل احدى الشركات الخاصة او وزارة الثقافية التي تمكنت خلال العقود القليلة الماضية من انتاج جيل من الشباب السوري الواثق بنفسه وبتراثه وثقافته، جيل يحترم فنانيه ويضعهم على رأسه، جيل يعتز بهذا النتاج الفني والادبي والثقافي، وجيل كهذا لا ُيهزم إذ غالباً ما تبدأ الهزيمة من الداخل، وهذا الجيل مثقف تمت توعيته بقضايا وثقافات العالم وحضارته.

لم اشاهد اثناء العرض الراقص اي شخص من منظمي الحفل ممن يقومون بالتوجه الى المنصة لتذكير احد الفنانين بشيء تافه كالعادة، ولم اشاهد احدا يقوم بتعكير صفو الحفل بالتقاط صور بالكاميرا او بالجوال. بل كان كل شيء منظماً لدرجة لم ُيحتج فيها الى اي شخص او الى اي تدخل لوجستي، لماذا لا تتم حفلاتنا الا بشق الانفس! بوركت جهود المخرجين والفنيين الذين يجعلون حفلات كهذه تسير بيسر وسهولة.

استذكرت الاندلس وانا استمع الى صهيل هذه الفتاة الاندلسية وهي ترقص وتغني، تذكرت كلمات الشاعر الاندلسي لوركا، تلك الاشعار التي قرأتها ايام مراهقتي الفكرية، وتذكرت الارض الاندلسية التي تتكلم العربية، وتذكرت عمارة الاندلس وقصر الحمراء وغرناطة وقرطبة اللواتي يكدن ينطقن باللهجة الشامية.

لقد قتلتنا الظروف التي نمر بها في الوطن، لقد قتلت فينا الانسان الذي نشتاق اليه، لقد تحولنا الى كائنات اخرى، ليست بالضرورة كائنات بشرية، تحولنا الى شيء آخر، تحولت ثقافتنا الى عالم من القيم التي لا اعرف ان كانت صائبة ام خاطئة، لكنني لا اعتقد ان قيم المجتمع السوري تعاني من هذه الامراض التي نعاني منها، لماذا تقوم العلاقة الاجتماعية في هذا المجتمع على الكثير من الثقافة بدلا من السياسة، ولماذا ُنصر على اقامة مجتمعنا على اسس سياسية باهتة! لقد اقام المجتمع السوري بنيانه على اسس انسانية نسبيا ضمنت للانسان حقه في الحياة الحرة الكريمة بينما ضمنت ثقافة المجتمع الفلسطيني للمواطن تقديم كل شيء بما في ذلك حياته في سبيل الوطن دون التمتع بحق الحياة الكريمة، لقد آن الاوان للاعتراف اننا قد تعبنا ويجب علينا التوقف عن الترهات والمغالطات، ربما كان الاجدر بنا ان نصمت عاماً كاملاً لنعيد تقييم تجربتنا الثقافية التي اوصلتنا الى مرحلة نفتقر فيها الى اي معلم ثقافي او مؤسسة ثقافية تقوم على نشر الوعي سواء بالموسيقى العالمية أو بالفنون الانسانية، لقد اغلقنا، بكل غباء، كافة صالاتنا السينمائية وحاربنا كل نشاط تبرز فيه بعض ملامح المرأة، بل بالغنا في هذه الامور الى مستوى متطرف في ممارسة الرقابة على كل شيء، بل اصبحنا نمارس دور الرقيب على كل ما نقوم به لنصبح بالنهاية اعداء انفسنا واستسلمنا، مجبرين او مختارين، لفئة اختطفت الوطن وثقافته، فئة لا تعلم عن الحياة شيئاً ُيذكر، قمنا برهن انفسنا لها، ووافقنا، مرغمين، على التحول الى جوقة من المرددين والمنشدين، ننشد ونغني اقبح الترانيم الغوغائية التضليلية التي لم نقتنع بها، لكننا من كثرة تكرارها اصبحنا من المروجين لها، تماما كحال بطل رواية "عام 1984" لجورج اوريل، آن لنا ان نستيقظ من سباتنا، آن لنا ان نعود الى ما كنا عليه قبل عشرين عاماً، آن لنا ان ندافع عن حق الانسان الذي بداخلنا، من حقنا ان نعيش، ويكفينا ما نحن فيه، ولا داعي لممارسة المزيد من الضغوط العصبية والنفسية علينا، هذه الضغوط التي قد تدفعنا لمغادرة هذا الوطن الذي لا زلنا نعشق، ولكن ُترى، هل سيستمر هذا العشق الى الابد! لا اظن ذلك، إننا نرى كيف تعيش المجتمعات العربية التي تنتمي الى نفس ثقافتنا، لقد استطاعت التكيف مع مستجدات الحياة الثقافية بمرونة، لماذا لا يحق لنا التكيف مع هذه المستجدات أيضاً! لماذا نبقى مرتبطين بقيود بالية تشدنا الى الاسفل، تماماً كالمرساة التي تعيق السفينة عن الحركة.

من اجمل اللوحات الفنية الي تسر كل من رآها في سوريا الشقيقة هي ذلك التعايش بين الطوائف الدينية وعدم اثارة النعرات الدينية او الطائفية، إذ يعيش في هذا القطر المسلمون السنة والشيعة والعلويون والدروز مع اشقائهم من المسيحيين الكاثوليك والارثوذوكس بالاضافة الى الاكراد وغيرهم من الاعراق والاديان في انسجام كبير، إذ تمكنت ثقافة هذا البلد من فرض نفسها على الثقافات الصغيرة، فالاولوية كانت دوماً للانتماء لسوريا وبالدرجة الثانية يأتي الانتماء للدين او العرق، ولا يستطيع احد ان ينكر ان هذه الوحدة هي اجمل لوحة فنية يراها زائر سوريا، تعززت هذه اللوحة بالحفل الاخير الذي تم تنظيمه في اعياد رأس السنة الماضية التي تزامنت مع عيد الاضحى حيث أحيت جوقة كنسية وفرقة الانشاد الاسلامية حفلاً مشتركاً كبيراً، حضره السيد الرئيس وكبار مسؤولي الدولة، قام خلاله المنشدون بإنشاد التراتيل المسيحية والاسلامية سوياً، ادام الله هذا التناغم والانسجام وليتعلم اهلنا في العراق ومصر وغزة من الثقافة السورية التي جعلت الانتماء للعروبة هو الاعلى.

ذهبت الى الحمام لاستنعم ببعض الهدوء والسكينة، كان الذهاب الى الحمام فرصة سعيدة للابتعاد عن متعلقات الحياة اليومية، فترة للراحة النفسية التي طالما حلمت بها، وشعرت بعدها بانني قد استعدت الكثير من طاقتي المتبعثرة هنا وهناك، للحمام الشامي نكهة ولذة غريبة تعيد للانسان القه وعنفوانه وُتذكره بأن لجسده عليه حقاً.

يستغرق الحمام في الشام ساعات طويلة، حيث دخلنا في البدء الى غرفة البخار ومكثنا فيها اقل من ساعة، ثم دخلنا الى الحمام الداخلي او ما يسمونه ب (الجواني) لننعم بدفء الماء، قام احدهم (المكييس) بتكييسنا، أي قام باستخدام الليف القاسية لتلييف أجسامنا، كانت فرصة سعيدة لي، حيث استطعت اخيراً تلييف ظهري، ثم خرجنا إلى (البراني) حيث استقبلنا رجل ضخم الجثة قام بعمل المساج والتدليك الذي لم احصل على مثله من قبل، خرجت من الحمام منتعشاً مليئاً بالحيوية والنشاط.

السير في البلدة القديمة من دمشق يعزز الثقة بالنفس والانتماء الى الجذور، لكن دمشق القديمة اصبحت مزيجاً من الحداثة والمعاصرة، تذكرت وانا اتجول فيها اسطورة هندية كنت قد قرأتها وانا ادرس الفلسفة في عصور خلت، تحدثت عن هذه الاسطورة لأصدقاء دمشقيين بينما كنا نسير في الازقة الصغيرة والشوارع الضيقة، تقول هذه الاسطورة ان رجلا ترك لابنائه بعد وفاته بطيخة هي كل ما اورثهم اياه بعد وفاته، قال احدهم يجب ان لا نفعل شيئاً بهذه البطيخه، يجب علينا ان نبقيها في مكانها دون ان نمسها وذلك احياءاً لذكرى والدنا، قال الثاني: بل نلقي بقشرها خارج المنزل وذلك بعد ان نأكل ما بداخلها، وبذلك ننتهي من قصتها، لكن اصغرهم قال: بل نأخذ بذرها ونزرعه وبذلك نستطيع الحصول على ثمر جديد وبشكل دائم وبذلك نحافظ على ذكرى والدنا وبنفس الوقت لا نعاني من رائحتها اذا تعفنت فيما لو تركناها. من اتون هذه الاسطورة انطلقت دمشق، إذ حافظت على تراثها الذي يتضمن مقومات الاستمرار والبقاء، وابتعدت عن الشوائب التي تعيق تطورها وتقدمها، وصنعت نموذجاً للحداثة والعصرنة الممتزجة من الماضي والحاضر والمستقبل، لم تعش على الماضي فقط لكنها لم تتنكر له ولم ُتدر له ظهرها، كما ابقت عينيها على المستقبل وهي تستثمر الماضي والتراث في مختلف نواحي نتاجها الثقافي والاجتماعي والحضاري.

 ما اجمل تناول الطعام في بيت دمشقي قديم وبرفقة مجموعة من الاصدقاء الظرفاء، يستمتع الانسان بتناول الوجبة بينما يتجاذب اطراف الحديث معهم، هذه الاحاديث التي تتأثر بسحر المكان فتصبح اكثر رومانسية وجمالاً. ذهبنا في احدى الامسيات لتناول الغذاء في احد المطاعم الدمشقية في حي باب توما وبرفقة شبان وفتيات ممن منّ الله عليهم بنعمة الانتماء الى تراب سوريا، كان المطعم كبيراً، بل كان في الاصل بيتاً عربياً تم تزويده بالديكور العربي الذي تشتم منه رائحة الماضي، لا تشعر بالملل في مطاعم كهذه، بل تشعر بدفء المكان والود ولطف العاملين فيه والزائرين له، كنا قد ذهبنا في الليلة التي قبلها برفقة مجموعة اخرى الى مطعم مشابه حيث يغني احد الفنانين ويعزف على عوده منوعات غنائية لصباح فخري ومحمد عبد الوهاب وزياد الرحباني، ذهبت اليه طالباً اغنيتين احداهما لنجاة الصغيرة والاخرى لصباح فخري، اجابني بكل ترحاب وسرور: لك مو على عيني، وانطلق يغني: عيون القلب سهرانه، ما بتنمش، لا انا صاحية، ولا نايمه، مبقدرش، يبات الليل، يبات سهران، على رمشي، وانا رمشي ما داق النوم، وهوا عيونه تشبع نوم، روح يا نوم من عين حبيبي، روح يا نوم، وبينما كان يترنم المغني على انغام اغنيته، كنا نتمايل مع عذوبة الحانة وصوته، امتزجت عذوبة الكلمات بسحر الالحان وبروعة المكان. ثم انتقل الى الاغنية التالية بينما كانت اجسادنا تتمايل على وقع الألحان.

قال بعضهم: ودّع هواك، وانساه، وانساني، عمري اللي راح ما حيرجع تاني، كان حلم وراح، انساه وانساني، لكنني رأيت عكس ذلك في دمشق، رايت نفسي وقد قمت باسترداد ما فاتني من سنين العمر الجميل، عدت بالزمن الى الوراء، لم أعش على الذكرى، بل على الحاضر، ولا زالت الشام قادرة على منحي الحق بالحياة، أعادت دمشق لي ألألق الذي افتقدته في حياتي اليومية في الوطن، كانت دمشق بانتظاري، فتحت ذراعيها لي، وقالت لي: اهلا وسهلا بك، لا زال في دمشق متسع لك رغم اكتظاظها.

وحين نادي المنادي بالسفر، كنا في حي الشعلان، نسير برفقة صديقة عزيزة كانت قد اصطحبتنا في سيارتها لنودع الشام، استمعنا الى اذاعة سوريا الغد، فإذا بجورج وسوف يغني: يوم الوداع، الحب ضاع، فإقشعرت اجسادنا، وانهمرت دمعه دافئة حزناً على الفراق، على فراقك يا شام، وعلى فراق اهلك الذين غمرونا بكل الحب والحنان، فراق مؤقت على أمل اللقاء القريب، إذ لا اتخيل نفسي بعيداً عنك بعد الآن، لن اتركك كما حصل في المرة الماضية، بل سأعود دوماً، فما أجمل لم الشمل بعد طول الغياب، وكيف سأعيش دونك وقد تركت القلب عندك، هل يعيش انسان دون قلبه! انا جسد بلا روح هنا، انا عمر بلا شباب، وحياة بلا ربيع، وربيع عمري هناك، في دمشق، ربيع لا يشيب، وشباب لا يشيخ، وعشق لا ينتهي، ُكنتِ الماضي، وانت الآن الحاضر والمستقبل. دمشق، أنت لي، احبك رغم الحواجز التي بيننا، فالحب لا يقف على الضوء الاحمر ولا على حاجز الاحتلال. دمشق: طالما انت معي، لست مهتماً بما كان، وما سوف يكون.

دمشق:  

عيناك وحدهما هما شرعيتي              ومراكبي، وصديقتا اسفاري

ان كان لي وطن، فوجهك موطني        أو كان لي دارٌ، فحبك داري

اني احبك دون اي تحفظ                   وأعيش فيك ولادتي ودماري

إني اقترفتك عامداً متعمداًً                 إن كنت عاراً يا لروعة عاري

***

 دمشق، 8/آذار/2007

 

 

 

 

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) Samih Hudhud
كل الاحترام لقلم ابن بلدي ولسحره في انتقاء الكلمات وجذب اعين القراء. اتمنى لك كل التوفيق واقترح ان تجمع ما كتيت من خلال هذا الموقع في كتيب صغير. اتمنى منك المزيد والابداع, ولك مني خالص الاحترام مع انتظار المزيد من ابداعاتك.

2) نسرين
يسلم تمك ع الكلام الحلوووو .. ونحنا بنحب فلسطين وأهل فلسطين كتتتتتتتتير .. قلوبنا معاكم تحياتي العطـره