واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
كلمات في (رأيت رام الله) لمريد البرغوثي

تم النشر أول مرة بتاريخ19/11/2007 02:08:00

بقلم: علاء ابو ضهير
على الرغم من قضائي لفترة لا بأس بها من عمري في مدينة رام الله سواء كنت زائراً او طالباً في جامعة بير زيت، إلا أن هذه المدينة لم تكتسب تلك المكانة التي تتمتع بها الآن في قلبي إلا بعد قراءتي لما كتبه عنها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في كتابه النثري (رأيت رام الله)، لم أتوقع ان يتضمن هذا الكتاب بصفحاته المائتين والعشرين هذا العشق وتلك المشاعر الانسانية الجياشة التي ُتشجي القلب وتداعب النفس الانسانية وتثير ما لديها من ذكريات مشابهة ومواقف تقترب في تفاصيلها من تلك التي عاشها الكاتب سواء لحظة دخوله الى رام الله أو حين عاش بإنتظار لحظة العودة ثلاثين سنة متواصلة.

يتحدث الكاتب في (رأيت رام الله) عن سفره الى مصر للدراسة عشية حرب حزيران او ما أصطلح على تسميته بنكسة حزيران، حيث انقطع أهل الوطن عن بعضهم بعضاً، هذا الوطن الذي التهمت اسرائيل ما تبقى منه في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وهضبة الجولان وصحراء سيناء. عاش مريد غريباً في المنافى متنقلاً بين مصر وهنغاريا والكويت وغيرها من بلدان الشتات، تحدث الكاتب عن ظروف حياته التي تشبه في مضمونها آلاف القصص لأفراد بسطاء من الشعب الفلسطيني الذي هام على وجهه في صحاري العالم العربي وجبال الثلج في مختلف أقطار الصقيع.

نقرأ في (رأيت رام الله) نموذجاً لحالة الترحال التي عاشها مجتمع حكمت عليه الأقدار بالمرور بظروف حياة غير طبيعية، قد لا ندرك حجم هذه الظروف إلا اذا قرأنا كتاباً كهذا الكتاب الذي يذكرنا بمفردات حياة الفلسطيني المشرد، او الذي ُكتب عليه التشرد، تماماً كالبدو الرّحل الذين يتنقلون من مكان لآخر طلباً للعشب والماء، بينما يتنقل الفلسطيني من بلد لآخر هرباً من أجهزة المخابرات التي تطارده أثناء دراسته لا لشيء إلا لأنه كان دوماً عنصراً ناشطاً في الاتحادات الطلابية التي ترفض التواطىء الذي قام به السادات مع إسرائيل وقيامه لاحقاً بزيارة القدس وإعلانه إنتهاء حالة الحرب معها من على منبر الكنيست، كان ُمريد شاباً فلسطينيا تميز بما تميز به الطلبة الفلسطينيون، حيث كان الفلسطينيون رأس حربة في مواجهة المشاريع الاستسلامية والتحالفات الغربية ضد المنطقة العربية، بل كانوا محرضين لأقرانهم العرب ضد الهيمنة والمشاريع التي ترغب بإبعاد مصر عن محيطها العربي وإخراجها من حلبة الصراع مع اسرائيل.

من أجمل ما في كلمات مريد في (رأيت رام الله) انه يستفز قدرتنا على المقارنه واستذكار الماضي وربطه بالحاضر، ويشجع كلاً منا على البحث في جعبته عن قواسم مشتركة مع ذكريات ويوميات مريد في (رأيت رام الله)، أجزم ان في داخل كل منا مريداً، كل منا مخزن للذكريات والآلام والروايات الشفوية لأحداث قريبة زمنيا لكنها ضاعت في زحمة الاحداث، كثيفة هي اللحظات في الوطن، مليء هذا الوطن بالتغيرات المتسارعة، لا نكاد نستذكر ما حصل بالامس بالقريب، بل نشعر بالشيخوخة والهرم حين نستذكر امراً حصل قبل عدة سنوات وما ذلك إلا لكثافة الاحداث وتداخلها وتسارعها.

تحدث ُمريد عن رحلته الاولى للوطن بعد توقيع إتفاق اوسلو بقليل، أمعن مريد في سرد تفاصيل دخوله عبر الجسر، إقتحمت كلماته القلبَ مباشرةُ، إذ شعرت بهذه المشاعر حين إبتعدت لأول مرة عن مدينة نابلس، وكانت عودتي الاولى بعد إمتحانات نهاية السنة الثانية في جامعة دمشق، كانت العودة الى الوطن حلماً، وأصبح الوطن كياناً رومانسياً يصعب تخيل الحياة بعيداً عنه.

كثيرة تلك التفاصيل التي استذكرتها أثناء قراءتي ل (رأيت رام الله)، إستذكرت عودتي عبر الجسر الى الوطن في الاجازة الصيفية واستذكرت مشكلة الحجز المسبق قبل التوجه للجسر صيفاً بسبب الاكتظاظ بالمغتربين العائدين لقضاء اجازاتهم الصيفية في الوطن، تذكرت الانتظار في مدينة عمان لأيام أو لأسابيع بسبب الازمة، كما تذكرت إرسال الرسائل الى إذاعة عمان ليتم بثها عبر الراديو في برنامج (سلاماً وتحية) للمذيعة كوثر النشاشيبي، هذا البرنامج الذي عمل لعشرات السنوات على إيصال الرسائل لاهل الارض المحتلة، رسائل من المغتربين أوالطلبة الدارسين في الخارج يطلبون من أهلهم بعض المال وما تيسر من خير السنة (الزيت والزيتون والجبنة) ورسائل أخرى عن وفاة فلان أو عودة الاشقاء من الكويت والذين يرغبون برؤية الجزء الآخر من العائلة ويطلبون من ذويهم الحضور الى الاردن لرؤيتهم بسبب عدم القدرة على الحصول على تصاريح لزيارة الارض المحلتة، أو بسبب عدم الرغبة بالحضور الى الوطن بسبب الاجراءات الغريبة التي كانت تفرضها الادارة المدنية الاسرائيلية، حيث كانت تقوم أحيانا بمنع الراغبين بالتوجه الى الاردن من السفر لعدة أشهر حيث يخسر العاملون في السعودية والكويت وظائفهم بسبب التأخر الذي فرضه الاحتلال ضد مدينة من المدن، لذلك صار الكثيرون يفضلون لقاء عائلاتهم في الاردن بدلاً من الضفة الغربية، كما أذكر من التفاصيل ذلك الاجراء الذي كانت تفرضه الادارة المدنية علينا نحن الشبان الذين بلغنا الثامنة عشرة والقاضي بعدم السماح لنا بالعودة الى الوطن طالما خرجنا منه إلا بعد تسعة أشهر، أي ان الطالب الراغب بالسفر الى الخارج يجب عليه البقاء تسعة أشهر دون العودة للوطن بغض النظر عن الاسباب التي قد تضطر أحدهم للعودة كوفاة أحد افراد الاسرة او عدم الرغبة باكمال الدراسة، لقد فرضت علي الظروف البقاء في جامعة دمشق رغم عدم إقتناعي بالبقاء فيها منذ الاسبوع الاول، حاولت العودة للوطن، لكن التصريح كان مغلقاً، أضطررت للدراسة في قسم الفلسفة، هذا القسم الذي لم أختره، كنت أرغب بدراسة الادب الانجليزي، وهكذا شاءت الاقدار، كثيرون هم الطلبة الذين ُفرض عليهم البقاء في الخارج بسبب إغلاق التصريح لمدة تسعة أشهر، كنا نقوم بإرسال الرسائل لاهلنا في الوطن المحتل عبر برنامج (سلاماُ وتحية) الذي تغني فيروز في إشارة بدايته كلماتها العذبة (جايبلي سلام، عصفور الجناين، جايبلي سلام، من عند الحناين)، وُيختتم البرنامج بأغنية فيروزية شهيرة: (وسلامي لكم يا أهل الارض المحتلة، يا منزرعين بمنازلكم، قلبي معكم، وسلامي لكم، والمجد لأطفال آتٍ، الليلة قد بلغوا العشرين، لهم الشمس، لهم القدس، والمجد وساحات فلسطين)، يا لهذا الشاعر الذي أجهل إسمه، كيف إستطاع التنبؤ بهذا الجيل الذي بلغ العشرين في عام 1987، اي بعد عشرين سنة من سقوط ما تبقى من الوطن تحت الاحتلال، هذا الجيل الذي أطلق الانتفاضة الاولى التي كانت في بداياتها نموذجاً نوعياً في المقاومة الشعبية السلمية غير العنفية. وحين ترغب السيدة مذيعة البرنامج بأخذ قسط من الراحة، يقوم مهندس الصوت ببث أغنية فيروزية أخرى، أغنية في غاية العذوبة، (كانت لنا من زمان، بيارةُ جميلة وضيعة ظليلة، ينام في أفيائها نيسان، ضيعتنا كان أسمها بيسان، خذوني إلى بيسان، إلى ضيعتي الشتائية، هناك يشيع الحنان على الحفافي الرمادية، خذوني إلى الظهيرات إلى غفوة عند بابي، أذكر يا بيسان يا ملعب الطفولة أفيائك الخجولة، وكل شئ كان، بابٌ وشباكان، بيتنا في بيسان).

وفي حلقات أخرى من البرنامج، يتم إذاعة أغنية عذبة أيضاً لفيروز تقول فيها: (سنرجع يوماً إلى حينا، ونغرق في دافئات المنى، سنرجع مهما يمر الزمان، وتنأى المسافات ما بيننا، فيا قلب مهلا، ولا ترتمِ على درب عودتنا، يعز علينا غدا أن تعود رفوف الطيور ونحن هنا، هنالك عند التلال تلال، تنام وتصحو على عهدنا، وناس هم الحب أيامهم، هدوء إنتظار شجي الغنا، ربوع مدى العين صفصافها، على كل ماء وها فانحنى، تعب الزهيرات في ظله، عبير الهدوء وصفو الهنا، سنرجع خبرني العندليب، غداة التقينا على منحنى، بأن البلابل لما تزل، هناك تعيش بأشعارنا، وما زال بين تلال الحنين، وناس الحنين مكان لنا، فيا قلب كم شردتنا الديار، تعالو، سنرجع، هيا بنا).

تراجعت أهمية هذا البرنامج مع وصول تقنيات جديدة للتواصل وذلك بعد إفتتاح خطوط الاتصال المباشر من والى الارض المحتلة وكذلك أيضاً بعد دخول الانترنت الى الخدمة. ولكن يستوقفني ما لم نقم به حتى الآن من عدم مبادرة أي مؤسسة فلسطينية لتكريم هذه السيدة المعطاء، كوثر النشاشيبي، التي التفت آلاف الامهات حول المذياع لالتقاط رسائلها الاذاعية القادمة من الشتات، بل نافس هذا البرنامج، الذي كان يتم بثه في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً، نافس الموعد اليومي لإذاعة أغنية ام كلثوم عبر إذاعة صوت إسرائيل، هذا الموعد الذي كانت تنتظره معظم المدينة يومياً، إذ لا يتوقف المواطن السائر في شوارع البلدة القديمة في مدينة نابلس عن الاستماع لاغنية أم كلثوم حيث كانت معظم المحال التجارية بإنتظارها يوميا في الموعد المذكور، فوجئت بذلك حين دخلت سوق باب ساروجه في دمشق في الفترة المسائية وذلك حين تقوم إذاعة إسرائيل ببث أغنية لام كلثوم بشكل يومي من الساعة السادسة والنصف وحتى السابعة والنصف، فوجئت بقيام أصحاب المحال التجارية في هذا السوق بدمشق بالاستماع أيضاً لام كلثوم من إذاعة صوت إسرائيل، وأصبح هذا الطقس عادة يومية محببة.
عرفت رام الله من شاب مقدسي قضى معظم طفولته وشبابه في مدينة رام الله، التقيت بداود في الاسابيع الاولى لالتحاقي بجامعة دمشق ولم نفترق منذ ذلك الحين، إذ كان داود سبباً في تغيير رأيي وإقناعي بالبقاء في جامعة دمشق. لم أكن قد زرت رام الله إلا مرة او مرتين قبل أن التقي داود، لكننا كنا نزورها كل ليلة في حواراتنا التي لا تنتهي ونحن نسير في ليل دمشق الجميل الشاعري، كان داود يتحدث عنها كثيراً، ويستمر في وصف كل ما يتذكره من قصص ومغامرات، نقل داود صورة جميلة لمدينة صغيرة كانت نموذجاً متطوراً في النضال الاجتماعي والحرية الفردية والليبرالية الفكرية، كانت رام الله مؤهلة لمكانتها التي تحتلها الآن، ليس فقط بسبب قربها من القدس بل أيضاً بسبب مناخها الاكثر ليبرالية من غيرة من المدن الفلسطينية. عرفت من داود الكثير عن أهل رام الله وجذورهم الريفية المطعمة بأهل اللد الذين لجئوا إليها عام 1948، عرفت شوارعها ومناخها وثقافة أهلها، إزداد جمال صورة رام الله في خيالي بسبب جمال وروعة المكان الذي استمع فيه لقصصها، كيف لا وقد كانت دمشق ولا زالت أجمل المدن بليلها وشاعريتها!

حين كنا طلاباً في جامعة دمشق، كانت الاتصالات الهاتفية معدومة بين الوطن والخارج، لم تكن المكاتب الخاصة بالاتصالات قد تم إفتتاحها بعد، كان من يرغب بالاتصال بالاردن يقوم بالاتصال بأمريكا او أوروبا ليتم تحويل مكالمته الى الوطن المحتل، كان إجراء المكالمة بهذه الطريقة باهظ التكاليف، وأذكر في هذا المقام آلية إرسال الرسائل بالبريد من دمشق الى نابلس، حيث كنت أقوم بكتابة الرسالة تلو الاخرى الى الاهل وإرسالها الى لندن، كنت أضع الرسالة في ظرف المكتوب ثم أضعها بعد ثنيها في ظرف مكتوب آخر مرفقاً بكوبونٍ آخر يساوي ثمنة أكثر من عشرة طوابع ليقوم بريد لندن بإعادة إرسال الرسالة الى فلسطين المحتلة، وتستغرق الرسالة شهران أو ثلاثة لتصل الى الوطن، أكون خلالها قد قمت بكتابة ثلاثة رسائل أخرى لأضمن وصولها للأهل في الاشهر التالية، يا له من نظام متخلف، لكنه السبيل شبه الوحيدة لإيصال الاخبار للوطن او للحصول على أخبار الوطن، كنت أذهب الى المسجد في عمان في الاجازات الصيفية والشتوية للصلاة يوم الجمعة وذلك حتى يشاهدني الاهل على شاشة التلفزيون، بل كنت اسافر الى عمان من دمشق في الاجازة الشتوية القصيرة لا لشيء إلا للذهاب الى المسجد يوم الجمعة ليطمئن الاهل ويروني عبر شاشة التلفزيون، كانت جدتي تتسمر أمام شاشة التلفزيون في عمان لتتأكد من ظهوري على شاشته، ولا تطمئن إلا إذا أيقظتني باكراً للذهاب الى المسجد لأتمكن من الحصول على مكان مناسب في الصفوف الامامية، كانت بعض الاشارات قد تم التفاهم عليها مسبقاً، إذ كنت أقوم بحك شعري من الجهة اليمنى اذا كنت بحاجة للنقود وأتثاءب اذا كنت سابقى في عمان عدة أيام أخرى، وهكذا كان العشرات من الطلبة والمواطنين يذهبون للتواصل مع أهلهم عبر شاشة التلفزيون أثناء صلاة الجمعة، كنا نذهب الى المسجد صباحاً لنضمن الجلوس في الصف الاول في المسجد لنكون الاقرب الى كاميرا التلفزيون الاردني الذي ينقل الصلاة على الهواء مباشرة. فكرت بإجراء نفس المهمة في المسجد الاموي في دمشق، لكنني لا أذكر لماذا لم تنجح تلك التجربة، هل هو بسبب عدم وصول بث الفضائية السورية الى مدينة نابلس في تلك الفترة او بسبب عدم بث الصلاة على الهواء مباشرة.

وإذا سنحت الفرصة والتقينا بأحد القادمين من نابلس الى دمشق، فقد كنا نبحث عنه أينما كان وذلك للحصول على الاخبار الجديدة والطازجة، كان آباء أو أمهات بعض الطلبة يأتون لزيارة أبنائهم، وكانت تلك مناسبة هامة لنا نحصل بموجبها على رسائل قام أهلنا بإرسالها معهم، لم يتأخر أهالي الطلبة عن التعرف على بعضهم بعضاً لتسهيل مهمة التواصل مع أبنائهم، وبذلك صار الاهل ينسقون شؤون إرسال ما نحتاج اليه مع بعضهم بعضاً، سواء كانت هذه الاحتياجات من الزيتون او الشاي او القهوة او بنطلونات الجينز او القزحة والحلاوة والزلابية وغيرها من المواد الاستهلاكية. كانت إذاعة القدس مصدرنا للحصول على الاخبار، كانت إذاعة تهول الامور وترهق الاعصاب رغم جهدها الوطني وأغانيها العذبة.

تفاصيل كثيرة يمر بها الفلسطيني، اقساها ما ارتبط بالعاطفة والمشاعر، قرأت عن مشاعر ُمريد حين دخوله لرام الله وبلدته دير غسانه، تلك اليوميات التي تفيض ألماً واسترجاعاً لذكريات الطفولة، تحدث مريد عن بلدته واشجارها وجيرانه واهل القرية، تحدث مريد عن تجربة الموت في المنفى، تلك التجربة التي يعاني منها الفلسطيني بشكل مضاعف، إذ لا تقتصر مشكلة الموت على خسارة فرد من أفراد العائلة، بل يرافق هذه المأساة حرمان من المشاركة في مراسيم التشييع أو الوقوف الى جانب العائلة في لحظة وفاة عزيز قد يكون الاب أو الام أو الشقيق كما في قصة مريد، بل قد لا يستطيع الميت تحقيق حلمه البسيط بأن يوارى الثرى في تراب قريته التي عشقها وتغنى بها طيلة سنوات شتاته، آلاف من الفلسطينيين تم دفنهم في مقابر الاردن والخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية واللاتينية وغيرها من بلدان العالم وآلاف آخرون تمت مواراتهم الثرى دون ان ُيسمح لابنائهم بإلقاء نظرة الوداع عليهم.

نعود الى مريد ورحلة عودته الى الوطن واستذكاره للمعالم التي كانت في رام الله قبل ثلاثين عاماً، كانت رام الله مدينة صغيرة منسجمة، إستذكر شوارعها وبيوتها وأهلها واصدقاءه الذين رحلوا ومدارسها وشوارعها، عاد الى رام الله ولم يجد رام الله التي ترك قبل ثلاثين عاماً، كيف لا والحياة تتغير كل يوم.

كلما تحدث مريد عن ذكرىً له في رام الله، تأملت المنافي القريبة والبعيدة، وتساءلت: إلى متى سيستمر هذا المنفى في حياة وثقافة الفلسطيني! لكنني سرعان ما استذكرت أن أسوأ هذه المنافي هو ذلك الذي نعيشه في الوطن، فلا الوطن بقي وطناً كذلك الذي نحلم به ولا الماضي بقي ماضياً جميلا نستطيع استذكاره وقت الحاجة. تألم مريد حين لم يجد شجرة التين في منزل عائلته، إذ قام أحدهم بقطعها. كم يعبث الآخرون بذكرياتنا دون إذن منا.

الذاكرة تغري بالافضاء بها أحياناً، ليس فقط لمن كانوا خارج الوطن وعادوا إليه، بل ايضاً لمن يعيش فيه، نزلت اليوم الى البلدة القديمة من مدينة نابلس، سار معي أحد الاصدقاء الذين يصغرونني سناً، كان هذا الشاب ممن اوكلت لهم مهمة اصطحاب العديد من الزوار في جولات في البلدة القديمة وجوارها، لكنه فوجىء بالذكريات التي تحدثت عنها أثناء جولتنا، وبينما نحن نسير في الشارع المؤدي الى دوار المدينة، شاهدت باب السينما مفتوحاً على غير عادته، أسرعت ودخلت لاتحسس المكان، كانت سينما العاصي واحدة من ثلاثة دور للسينما تعمل في مدينة نابلس بشكل يومي، وما أن دخلت القاعة حتى شعرت بالالم والاسى على حالة صالة السينما التي تم إنتزاع المقاعد منها، كان واضحاً مكان المقاعد التي تمت إزالتها، اقتربت من الشاشة، او المسرح، حيث كانت الشاشة البيضاء التي كنا أيام الاعياد نجلس قربها، كان الكونترول يقوم بإدخال أعدادٍ كبيرة من الاطفال، كان يقوم بوضعنا على المنصة أحياناً، أي على ُبعد مترين أو ثلاثة من الشاشة، أذكر كيف كانت علاقتنا بالصور علاقة غريبة، إذ كنا على مقربة شديدة من الصور التي تتحرك امامنا، كنا نشعر بالرهبة أحيانا أثناء المعارك القتالية، كنا ندخل الصالة ببطاقة واحدة ونحن أثنان، كيف لا طالما أننا سنجلس على الارض.

اذكر شاهدت في هذه السينما عشرات أفلام الكاراتية والكونغ فو وربما مئات الافلام الهندية، إذ كنت، كسائر الاطفال السذج في ذلك الحين، من عشاق الافلام الهندية التي كنا نتعاطف مع قصصها ونذرف الدموع غزيرة في نهايتها، كنا نصفق ونهز القاعة صراخاً وترحيباً حين يظهر البطل الهندي شاشي كابور أو أمجد خان أو أميتاف باتشان، شاهدت الكثير من أفلام جيمس بوند في هذه القاعة، حيث كان المشاهدون يشتمون المسؤولين عن عرض الفيلم وذلك حين يتم قطع مشهد إنتظروه طويلاً، لذا كان الشباب الكبار يذهبون في الاعياد الى سينما الوليد في طولكرم لمشاهدة الافلام الاباحية، شاهدت بعض أعمال الترميم في قاعة السينما، لكن لا يبدو ان هناك رغبة في إعادة تشغيلها، لقد انقضت تلك المرحلة كما يبدو.

كان البائع يتجول بين المقاعد في صالة السينما منادياً بصوته المعهود: عسيس بارد عسيس متلج، العسيس تعني هنا الكازوز او ما أصبح يسمى لاحقاً بالكولا، ولا أعرف مصدر الكلمة وإشتقاقها اللغوي، ولكن كنا نشعر بالسعادة بعد شرب العسيس ودحرجة الزجاجة من تحت المقاعد، ولا تكتمل مشاهدة الفيلم دون البزر الذي يبيعه احدهم في قراطيس ورقية ملفوفة بلطافة، كنت من رواد السينما الذين يذهبون اليها كل يوم جمعة لمشاهدة عرض الساعة الثالثة والنصف، أما في الاعياد، فقد كنت أشاهد ثلاثة أفلام يوميا، كنا نخرج من الصالة لنشتري التذكرة ونعيد الدخول مرة اخرى، أو نعدو مسرعين الى سينما غرناطة التي كانت أرقى صالات السينما في نابلس لنلحق بالفيلم التالي، كانت مداخل السينما تكتظ بمئات المشاهدين الذين يأتون من مختلف المناطق المحاذية للمدينة لمشاهدة الافلام السينمائية واللعب في مراجيحها التي كانت موجودة مكان مجمع الكراجات الشرقي. شعرت ان صالة السينما قد أصبحت أصغر مما عهدتها عليه في الماضي، ُترى هل أصبحت فعلاً صغيرة أم أنني أنا الذي كنت صغيراً! أم أن الصالة فقدت رونقها وقيمتها بعد أن تحولت الى مخزن للبضائع!

كانت السينما معلماً ثقافياً بارزاً وهاماً، أذكر حين إحتشدت أعداد كبيرة من المواطنين لمشاهدة العرض الاول لفيلم الرسالة، إكتظ شارع غرناطة بالأعداد الكبيرة من المواطنين الذين إحتشدوا لمشاهدة الفيلم، وكذلك الامر بالنسبة لغيره من الافلام المصرية وعلى رأسها أفلام الوردة البيضاء ويحيا الحب لمحمد عبد الوهاب.

لم يبق شيء للذكرى، تحول المكان الى شيء آخر، وتحولت ذكرى المكان إلى ُغصة في القلب، من سمح للآخرين بالعبث في ذكرياتنا! حتى وإن كانت هذه الامكنة ملكاً مادياً للآخرين، لكنها تحتفظ بذكريات جميلة لدى آلاف العشاق والحالمين.

قصة كل منا هي قصة وطن، لا يمكن عزل الرواية الفردية للاحداث عن سياقها التاريخي، تعرفنا من خلال كتاب (رأيت رام الله) على نموذج للمواطن الفلسطيني الذي عاش حياة فلسطينية بمعنى الكلمة، تشرد من الوطن بسبب الاحتلال، إبعاد من قبل ذوي القربي لمجرد الانتماء لفلسطين، البحث عن لقمة العيش في الخليج، الهجرة الى اوروبا الشرقية والغربية، الالم المتواصل بسبب البعد عن الاهل، الحنين الدائم للوطن والحرمان من رؤيته او حتى إستنشاق هوائه وربما الموت بعيداً عنه أيضاً.

ذكريات كثيرة رافقت زيارة مريد لرام الله، إستعاد خلالها الثلاثين عاماً الماضية، كأن الزمن قد توقف على بوابة دير غسانة، أعاد النظر الى حياته كشريط سريع ُيعرض أمامه، خرج من هذه القرية طالباً، ولم ُيسمح له بالعودة إليها، تزوج من فتاة مصرية لا يسمح لها أيضاً بالإقامة في فلسطين، وُرزق بطفل عاش سنوات عمره الاولى يسمع صوت أبيه على الهاتف إذ كان الوالد مبعداً من مصر، توفي منيف، شقيق مريد الاكبر الذي عمل في الخليج ليساعد عائلته ولينفق على مصاريف دراسة مريد في مصر، ففقد حنان الاخ وعطفه بعد أن كان قد فقد الاب أيضاً.

ُحرم مريد من رؤية طفله منذ الاشهر الاولى لولادته، لم يستطع المكوث معه حيث تم إبعاده الى خارج مصر لسنوات طويلة، لم تستطع العائلة التمتع بحقها الطبيعي في الإقامة في الوطن، هذا الطفل الذي كان ينادي أباه بكلمة (عمو) وذلك حين يراه في الاجازات، وصار لاحقاً يناديه ب (عمو بابا) لم يستطع مريد زيارة الوطن مع زوجته وإبنه، بل بقي هذا الطموح حلماً يراود العائلة طيلة فترة تشردها، كانت الاسرة لا تلتقي إلا في الاجازة الصيفية في المنافي البعيدة في أوروبا أو الاردن. حلم مريد بزيارة القدس واستمر في الحديث عنها لابنه الذي عشقها قبل أن يراها، واستمر عشقه لها حين أصبح هذا الطفل شاباً يافعاًً وشاعراً كبيراً وقال فيها أجمل ما قيل في القدس:

مررنا على دار الحبيب فردّنا
عن الدار قانون الأعادي وسورها
فقلت لنفسي ربما هي نعمة
فماذا ترى في القدس حين تزورها
ترى كُلْ ما لا تستطيع احتماله
إذا ما بدت من جانب الدرب دورها
وما كل نفس حين تلقى حبيبها
تسر ولا كل الغياب يضيرُها
فإن سرها قبل الفراق لقاؤه
فليس بمأمون عليها سرورها
متى تبصر القدس العتيقة مرة
فسوف تراها العين حيث تديرها

لا تبك عينك أيها المنسيّ من متن الكتاب
لا تبك عينك أيها العربي واعلم أنّهُ
في القدس من في القدس لكنني
لا أرى في القدس إلا أنت

***


نابلس، الجمعة 16 تشرين الثاني 2007



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين