واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
أحلام متأخرة

تم النشر أول مرة بتاريخ12/05/2008 09:17:00

بقلم: علاء ابو ضهير

اوقف سيارته ونادى بصوته الحاد، تعال اوصلك، فقلت له: شكراً، ارغب بالتمشي في البلدة القديمة، لم آت الى هنا منذ فترة طويلة وأرغب بإستعادة بعض الذكريات، ومضى في سيارته الجميله مثيرا الغبار خلفه، وذهبت في طريقي المؤدي الى بيتنا القديم في البلدة القديمة، وبذلك، فرضت قصتي مع عمار ذاتها لتكون اولى الذكريات التي سبحت في الذاكرة وانا أدخل الزقاق المؤدي الى الحارة التحتا حيث ذهبت مع والدي وأنا في العاشرة من عمري الى أحد الجيران المشهورين بالطب العربي ليقوم بتجبير ذراعي التي ُكسرت في المسجد، وذلك بعد ان وكزني احد الاولاد ووقعت على الارض من المصطبة التي كنا نتنافس على الصلاة على حافتها.

لم يكن عمار من زملاء المسجد، بل كان يسكن مع اسرته في البيت المجاور لبيتنا، وقصتي مع عمار تعود لسن مبكرة من العمر، حين لم نتجاوز العشر سنوات، كان عمار لاعباً لكرة القدم، وكنت من صغار اللاعبين المدافعين، كثيراًُ ما لعبنا سوية تلك الالعاب التقليدية، لكن علاقتنا أخذت منحىً آخر عندما جاء جد عمار يوم الجمعة كعادته كل اسبوع، حيث كان ينزل لشراء الانتيكا والموبيليات المستعمله وغيرها من الاشياء من "اسرائيل".

كانت زيارته ليافا متميزة هذه المره، لقد أحضر دراجة جميلة لعمار، نزل بها عمار الى باب المنزل، والتف حوله صبية الحارة، أصبح عمار ذا نفوذ قوي بمجرد حصوله على هذه الدراجة الحمراء الجميلة، كانت عجلاتها عريضة على عكس عجلات الدراجات الاخرى، مما ُيسهل قيادتها للمبتدئين امثالي، كما كانت عجلاتها قاسية وقوية مما يمنع تعرضها للعطب في الشوارع والازقة المليئة بالحفر.

اختلفت سياسة التحالفات بين صبية الحارة، اصبح إرضاء عمار أمراً استراتيجياً، يقف عمار بجانب دراجته بينما يقف بعض الصبية حوله كحراس شخصيين كل همهم إرضاءه، كنت قد حصلت على وعد منه بحصولي على " شوط " على الدراجة كل مساء، يبدأ هذا الشوط من باب دكان والدي وينتهي عند دكان ابو ماجد، ذهاباً وإياباً، واستمر الوضع على هذه الحال فترة لا بأس بها.

ولكن نزعة الملكية الفردية أصيلة في النفس البشرية، تساءلت يومهما، لماذا لا تكون لي دراجتي الهوائية الخاصة بي! والى متى سأبقى معتمداً على دراجة عمار في حصولي على لذة الطيران وانا امتطي صهوة الدراجة!

ذهبت عدة مرات مع عمار في ايام الجمعة الى خارج الحارة، وهي مغامرة عظيمة لاطفال في العاشرة، وبعد رجاء شديد، وافق ان يعطيني الدراجة لاحلق فيها في شارع حطين الفارغ من الماره، كانت اول مرة اشعر فيها بلذة كتلك التي حصلت عليها وانا أسرع في قيادة الدراجة وعمار يركض الى جانبي خوفاً على جنزير دراجته.

أثرت موضوع الدراجة الهوائية في المنزل، لم تلق دعوتي آذانا صاغية، كان الجواب الذي طالما سمعته: بس نسد الدين، يا الهي، متى سينتهي هذا الدين! ومتى سأشتري دراجة هوائية! لا أطلب دراجة جديدة، وانما دراجة من الانتيكا، دراجة مستعملة كتلك التي حصل عليها عمار، دراجة من باب الساحة، اي من البالة، وبعد طول انتظار، أحضر جارنا ابو عبد الله شيئاً يشبه الدراجه الهوائية معه من يافا، أخذتها الى ساحة المنزل الخلفية، وصارت اصابعي تتلمسها كمن يلمس شعر جواد أصيل اشتراه.

احضرت قطعة قماش نظيفة، وتنازلت عن مشاهدة الحلقة الجديدة من ساندي بيل، وبدأت بتنظيف الدراجة، قمت بتزييت الجنزيرالرخو، وركبت زامورا كبير على المقود، ترردت كثيراً قبل النزول بها الى الشارع، حيث عرف جميع الصبية بقصة شرائي للدراجة المستعملة.

نزلت الى الشارع، وبدأت اصعد وانزل الشارع على الدراجة، لم اصدق نفسي، اخيراً بدأت أحلق، ولكن خيبة الامل كانت كبيرة عندما ُكسر المفصل الذي يربط مقدمة الدراجة بمؤخرتها، كانت خيبتي كبيرة، ونكستي أكبر امام عيون صبية الحي.

لازمني هذا الشعور سنوات طويلة، لم أهتم بعدها بشراء دراجة اخرى، ومرت السنين سريعة او بطيئة، لانتقل الى زمان ومكان مختلفين، الى دمشق، إذ بينما كنا نسهر في منزلنا الكائن في اتستراد المزة، وهو شارع مستقيم يمتد عدة كيلومترات، جاء صديقان سوريان لزيارتنا بشكل مفاجىء بعد ان انتصف ليل دمشق، جاءا على دراجتيهما، وسمحا لنا انا وصديقي بالذهاب في جولة على دراجتيهما، قفزنا من الفرح، بدأنا نقودهما بسرعة جنونية، كان هواء ليل دمشق كالنسيم العليل على وجوهنا، ودخل الهواء النقي الى صدري ليغسل كل ما بداخلي من حزن، واضاف هدوء ليل دمشق نكهة ولذة لكل ثانية استمتعنا بها.

وبعد ذلك بعدة سنوات، وبعد ان تحسنت اموري المالية، اشتريت دراجة هوائية جديدة، كانت محاولة للتعويض عن الماضي، تعويض عن الهزيمة التي لحقت بي امام اطفال الحارة عندما ُكسرت دراجاتي القديمة، وتعويض عن منظري وانا اجمع اشلاءها وأعود بهم الى ساحة المنزل الخلفية، حين ذرفت الدموع على هذا الحلم المكسور.

وصرت اذهب على الدراجة من منزلي في مساءات الربيع والصيف من كل عام، لاقودها في شوارع المنطقة الغربية من المدينة، لا ادري من أين يأتيني هذا الشعور، لقد آمنت باستمرار ان المنطقة الغربية من نابلس أكثر رومانسية من المنطقة الشرقية، كيف لا وانا ارى تلك الاشجار تعانق بعضها في شارع المتنزه كأنها كائنات عاشقة ترفض البقاء وحدها دون وجود الحبيب الذي تعانقه باستمرار، أقود دراجتي تحت هذه الاشجار واستمر بالتنزه في شارع رفيديا الرئيسي لاصل الى بائع البوظة الشامية، واستمتع بتذوقها وانا اطير من أعلى شارع رفيديا الى اسفله، ممسكا مقود الدراجة بيد واحدة، بينما تلفح وجهي نسمات الهواء النابلسي المسائي، اشعر بقوتها تلامس جسدي، واستمتع برؤية اشجارها العالية في ذلك الشارع، ولكن، هل تعوضني متعة قيادتي لدراجتي الجديدة الآن عن لذة قيادتي لدراجة قديمة حين كنت في العاشرة!

***



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين