واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
قالوا أنت لاجئ

تم النشر أول مرة بتاريخ22/05/2008 08:32:00

بقلم: علاء أبو ضهير

لم يعجبني الحديث المتواصل لصديقي الهولندي عن مدينة يافا، ذلك الحديث الذي ضجرت من تكراره في جو الأسرة، ارتبطت صورة هذا الموضوع بالفقر والجوع والحرمان، لم أعرف أن له بعداً آخر يستحق ذلك الاهتمام، اقتصرت معرفتي بموضوع النكبة على ما سمعته من الأهل عن سنين التشرد الطويلة والمعاناة المستمرة والسعي الدؤوب وراء رغيف الخبز وشظف العيش ومؤن الوكالة، ارتبطت كلمة النكبة وقصصها بمشهد اللاجئين الذين يحتشدون كل شهر في المنطقة الشرقية من البلدة القديمة، أو ما أصبح يسمى لاحقاً بمجمع الكراجات الشرقي، حيث يحتشد اللاجئون منذ الصباح الباكر لتسليم بطاقات المؤن (كروت الوكالة) والانتظار باقي النهار ريثما يأتيهم الدور، كنت أذهب مع والدي وشقيقي الأكبر لانتظار دورنا في الحصول على ما تجود به عصبة الأمم من طحين وسردين وسمنة وسكر وأرز وحليب، كانت مشاهد العوز والطفر تقشعر لها الأبدان، نساءٌ معدمات ينتظرن طيلة اليوم تحت أشعة الشمس اللاهبة صيفا بينما الغبار يحمل ما وقع على الأرض من طحين ليقوم بنثره في عيون اللاجئين الواقفين بانتظار فرج الكرماء السخي، كانت أقدامنا تغطس في الوحل شتاءاً، كنا نلبس جزماً بلاستيكية مقاومة للمياه حيث كنا نضطر للسير أو الانتظار في مستنقعات تملؤها المياه القذرة، كان العاملون في توزيع المؤن من قساة القلوب في اغلب الأحيان، كنت انظر اليهم وهم يقومون بتقسيم الحصة الخاصة بكل اسرة، كنت أتمنى أن يقوموا بوضع المزيد من الارز والدقيق لنا، لكنهم كانوا يواجهوننا بكل فظاظة صارخين، ليس لكم سوى بطاقة تموين واحدة، لا يحق لكم أي شيء آخر، كان أبي يقول لي: لا تظن أن هؤلاء الرجال يتكرمون ويتعطفون علينا بهذه المؤن، لقد سرقت هذه الأمم المتحدة منزلنا في مدينة يافا وهو أثمن من كل هذه الممتلكات، هدا مش كرم منهم، هدا حق إلنا، والله لا يخلف عليهم، إحنا ما بدنا لا طحينهم ولا سردينهم، يرجعونا ع بيوتنا بيافا وياخدوا هالمؤن السخيفه، احنا كنا بيافا عايشين ومستورين ومش بحاجة حدا، وكانوا اهل نابلس ييجو يشتغلوا عنا عمال.

كان يتواجد في ذلك المكان رجال كثيرون من سائقي العربات، لكننا كنا نأخذ عربة المحل الحديدية حتى نقوم بتوفير أجرة حمل المؤن، أذكر رجلاً طاعناً يضع على صدره ما يمكن تسميته بالحرجاية الكبيرة البيضاء، وهي عبارة عن كيس من القماش يوضع كالحزام ويحتوي على جيب كبير، يقوم هذا الرجل باقتطاع كمية من الطحين تعادل صحناً كبيراً وذلك لقاء قيامه بقطب الكيس بالخيط والمسلة مما يسمح لنا بسحب الكيس بسهولة ويسر، كما يمنع ذلك خسارة بعض الدقيق الذي قد يقع على الأرض عندما نبدأ بدفع العربة أو جر الكيس على الأرض، كانت بعض الأسر تقوم ببيع حصتها من الدقيق إلى فرن مجاور يقوم صاحبه بشراء الدقيق مباشرة من بعض اللاجئين بنصف الثمن، يوافق اللاجئون على بيع هذه الحصة لعدم حاجتهم لها أو بسبب حصولهم على الخبز الجاهز من المحلات، لكننا كنا نأخذ حصتنا ونعود بها مسرعين إلى المنزل لنقوم بوضعها في برميل خاص بالطحين لتقوم والدتي بعجنه مرةً كل ثلاثة أيام لأقوم بحمله على الطبلية والتوجه به إلى الفرن القريب في الحارة التحتا، يقوم الفران بدوره بمصادرة رغيف لاستعماله الشخصي، كنت استمتع بمشاهدة منظر الأرغفة وهي تنتفخ بسرعة بواسطة لهب النيران المستعرة، كان الفران يستعمل الأخشاب والمواد المشتعلة كقشر اللوز وغيره من المواد المحترقة النظيفة لذيذة الرائحة، لم أتوقف عن عشق مشهد يديه الرشيقتين تقومان بضرب الأرغفة وعجنها حتى تصبح منبسطة رقيقة.

لاحقني شعور بالدونية كوني لاجئاً يدرس في مدرسة حكومية، دخلت هذه المدارس الحكومية منكراً جذوري المنتمية الى عائلة لاجئةٍ مستغلاً سكني في المدينة وليس في أحد مخيماتها كي أبعد عن نفسي هذه المشاعر المؤلمة، تكررت زيارات مفتشي التربية والتعليم على المدرسة وغيرها من المدارس للاستفسار عن الطلاب اللاجئين لنقلهم إلى مدارس الوكالة، وعندما كانوا يسألوننا عن بطاقات المؤن لم ارفع يدي للإقرار بحمل عائلتي لبطاقة المؤن وذلك للتهرب من الانتقال إلى مدارس الوكالة، كانت لدى عائلتي رغبة كبيرة بابعادنا عن مناخ المخيم وهمومه، لذلك اعتدت على نكران أصلي اللاجىء أمام زملائي في المدرسة وأمام المدرسين ومدير المدرسة حتى لا يقوم بنقلي فوراً إلى إحدى مدارس الوكالة.

أعود لصديقي الهولندي الفلسطيني الأصل الذي لم يتوقف عن الحديث عن النكبة الفلسطينية منذ عرفته، اذكر قال لي ذات يوم بينما كنا نتمشى في البلدة القديمة: يجب عليك أن تهتم بموضوع النكبة، لا يعقل أن تكون مواطناً فلسطينياً مهتماً بشؤون الإعلام الفلسطيني دون الاهتمام بموضوع النكبة الفلسطينية، ان هذا الموضوع هو الأكثر أهمية في تاريخ الشعب الفلسطيني، لكنني قلت له كيف السبيل ونحن نعيش مرحلة معقدة فرضتها علينا اتفاقية أوسلو وتبعاتها، يجب علينا الانتباه إلى ما ستؤديه هذه الاتفاقية من انعكاسات على القضية الوطنية، توقف صديقي في الشارع المحاذي لمسجد النصر واقترب من عين للمياه، رشف منها القليل من الماء العذب، ثم قال لي وهو يمسح شفتيه من الماء: ان النكبة الفلسطينية توازي قضية الهولوكوست بالنسبة للشعب اليهودي، لم تفارق هذه الكلمات خاطري منذ ذلك اللقاء، سافر صديقي وبقيت كلماته القوية تلاحقني.

التحقت بعدها بجامعة بير زيت ودرست فيما درست مادة في التاريخ الشفوي، كان لهذا المساق الأثر الاكبر في توجهي الفكري، بدأت بالتعرف على تاريخ القضية الفلسطينية شيئاً فشيئاً، أدركت بعدها ان توثيق الرواية الشفوية لحرب عام 1948 مسالة مهمة للغاية، بدأت هذه الروايات التي أجمعها بالتأثير في مشاعري وتحولت هذه المشاعر الى طاقة قوية دفعتني للتأثير بمن حولي من الأصدقاء، تحدثت إليهم عن أهمية جمع الرواية الشفوية، تطوع معظمهم للتوجه إلى مخيمات اللاجئين في المدينة للقاء هؤلاء الرواة الذين انتقل بعضهم إلى الحياة الأخرى بعد فترة وجيزة من لقائهم، أدركت حينها أننا نقوم بعمل لا يقل أهمية عن العمل الذي قام به المسلمون الأوائل في جمع الرواية الشفوية للأحاديث النبوية خوفاً من وفاة الرواة بسبب حروب الردة.

عانينا الامرين في جمع هذه الروايات، لم يحظ هذا المشروع باهتمام الكثير من المؤسسات المحلية أو الدولية التي تعطي الأولوية لتمويل المشاريع التي ُتعنى بتعميم مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومشاركة المرأة في الحياة السياسية، لكنني آمنت دوماً أنني أسير على الصراط المستقيم في هذا المشروع الذي تحول الى حلم شخصي وجماعي، قمت بترجمة هذه الروايات الى اللغة الانجليزية أملاً بإيصال هذه الحقيقة الى ما وراء البحار، تعززت ثقتي بأهمية هذا المشروع الطوعي كلما قابلت متخصصين في هذا الموضوع من الزوار القادمين من الخارج والذين يقدرون قيمة التاريخ الشفوي والروايات الشخصية لأهم حدث في التاريخ الفلسطيني.

تستحق هذه الروايات كل الجهد الذي يبذل في جمعها، لا بد من الإسراع في مقابلة من لم نقابلهم بعد، انهم ينتقلون الى الرفيق الأعلى كل يوم، أعدادهم تتناقص، لا بد من توثيق معاناتهم حين مشوا الطريق المؤدية من مدينة اللد إلى مدينة رام الله مشياً على الأقدام في صيف شهر رمضان الحار، كما يجب علينا توثيق قصص المجزرة التي ارتكبت في مسجد دهمش في اللد، لا بد من نقل القصص للأجيال القادمة، قصص معاناة اللاجئين في خيام الشتات في الشتاء الماطر، من حق هذه الأجيال أن نترك لها شيئاً مكتوباً عن تاريخ أجدادها في مدن فلسطين التي أصبحت تسمى بإرادة القوة: اسرائيل.

رفعت معنوياتي مكالمة هاتفية من شخص هو الأهم في تاريخ التوثيق الشفوي الفلسطيني، اتصل بي هذا الرجل العظيم في وقت كنت اقوم فيه بوضع بعض اللمسات الأخيرة على بعض الروايات الشفوية وتحريرها تمهيداً لنشرها، كان لاتصال الأستاذ شريف كناعنه وقعاً عاطفياً كبيراً على مشاعري، لم يكن السيد كناعنه من الشخصيات المشهورة في الأوساط السياسية أو الإعلامية، لكنه معروف جداً للباحثين والأكاديميين والمؤرخين والمثقفين في مختلف بقاع العالم، ُنشرت أعماله وترجم بعضها، لا زال هذا الرجل الفاضل مصدراً ومرجعاً هاماً للباحثين في التاريخ الشفوي إذ بدأ أبحاثه في هذا السياق قبل نصف قرن تقريباً، كان من المبادرين إلى التنبه إلى ضرورة جمع وتوثيق الرواية الشفوية، قال لي بصوت تملأه الحياة، إنني سعيد بالحديث إليك كما أنني سعيد لأنني علمت أن هناك من يقوم بجمع الروايات الشفوية في منطقة الشمال، فقلت له: يكفيني شرفاً انك اتصلت بي وإنني حصلت على ثقتك واحترامك الذين اعتبرهما تاجاً أضعه على رأسي ووساماً يتربع على صدري، إن مكالمتك دليل ثقة على أنني أسير في الاتجاه الصحيح، انتهت المكالمة بتبادل الدعوات لتبادل الزيارة مع رجل طاعن في السن قضى هذه الأعوام الطويلة في جمع رواية تشرد هذا الشعب في مخيمات اللجوء، شكراً لك على اتصالك الذي زودني بالطاقة التي احتاجها.

اشعر الغبطة التي تمتزج بالألم الذي يعصر القلب كلما شاهدت مسلسل التغريبة الفلسطينية، الألم لما آلت إليه أوضاع هذا الشعب بسبب قيام هذا الكيان على ارض الوطن وطرد شعبه إلى الساحة الخلفية، أما الغبطة التي اشعر بها فهي ناجمة عن شعوري بأن الجهود التي قام بها الباحثون الأوائل والذين يعتبر الأستاذ شريف كناعنه أولهم قد آتت ثمارها، لقد تم نقل هذه الحقائق على شكل مسلسل تلفزيوني اعتمد مؤلفه على الروايات الشفوية في كتابته، آملاً ان تستمر هذه الجهود لنتمكن من نقل هذه الرسالة إلى الأجيال المقبلة التي قد تمتلك القوة يوماً ما لإعادة الأمور إلى نصابها، إذ لا يجوز لنا التنازل عن حق بحجة ضعفنا السياسي وانهيار عالمنا العربي، ولا يضيع حق وراءه مطالب، كما لا أنسى في هذا المقام كلمة قالها أعرابي انتقم لثأر عمره أربعين عاماً، قال هذا الأعرابي: لقد كان انتقامي سريعاً، ولا تغيب كلمة قالها يوماً ما شاعرنا الكبير، محمود درويش، "وأدعو لأندلس، إن حوصرت حلبُ". لا زالت مفاتيح منازل أجدادنا في مدينة غرناطة محفوظة لدى الأحفاد في المدن المغربية آملا بالعودة يوماً ما إلى تلك المنازل التي تنطق العربية بتصاميمها المعمارية فكيف بنا نتنازل عن حقنا المقدس بالعودة إلى رحم هذه الأرض التي وهبتنا الحياة!



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) نسرين
انت فعلاً كبير بكتابتك ننتظر منك المزيد ملاحظه :: انا من اشد المعجبات بمقالاتك فلا تتأخر علينا بجديدك تحياتي لك