واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
أعراس نابلسية

تم النشر أول مرة بتاريخ22/08/2005 08:54:00

 

تختلف كل امة عن غيرها في ممارسة طقوس الزواج، وتتصف هذه الطقوس بأبعاد دينية او خرافية او ميثولوجية غريبة احياناً، وتتضمن هذه التقاليد معانٍ مستوحاة من التاريخ والاساطير والطبيعة، وقد يكون لكل سلوك معناه او قد يرمز لشيء ما.

 

ُتعتبر طقوس الاعراس في الاسلام طقوساً بسيطة، وقد يعود ذلك الى بساطة الشخصية العربية التي سكنت الصحراء وإفترشت الارض والتحفت السماء، لكن انتقال العرب من مناطق البداوة الى مناطق الحضر في الشام والعراق ترك آثاراً كبيرة على الشخصية العربية التي إستقرت وبدأت في إبداع خزعبلاتها وتقاليدها.

 

واستمراراً لهذه المسيرة من العشوائية والتخبط في إدارة شؤون الحياة بما فيها الزواج وحفلاته، أحببت أن اكتب بعض الملاحظات حول ما أراه غريباً وغير قابل للفهم في حفلات زواجنا وطقوس الزواج بشكل عام.

 

توجد في مجتمعنا الفلسطيني التقليدي بشكل عام، ومجتمعنا النابلسي شديد التحفظ بشكل خاص، الكثير من الأفكار التي لا تتناسب مع العصر ويغلب عليها طابع التشدد غير المبرر، خاصة فيما يتعلق بشؤون المرأة، فالمرأة كائن تتم معاملته بشكل خاص، ولا أقصد بكلمة: خاص، المعاملة المتميزة إيجاباًُ بل المعاملة المتميزة بضعف الثقة في المرأة وضرورة الحجر عليها ومصادرة قرارها وكبت رغباتها وقمع حريتها، الأمر الذي يفرز شخصية كلاسيكية للمرأه لا تتمتع بحرية التعبير ولا بحرية إتخاذ القرار، حتى فيما يتعلق بأهم قرار تتخذه في حياتها، ألا وهو الاقتران بشريك الحياة الذي يجب عليها ان تتحمل تبعات شخصيته المختلفة، في حين لا يحق لها ان تفرض عليه أن يتحمل اختلافها معه في الرأي او في وجهة نظرها من الحياة، يجب على المرأة ان تكيف نفسها مع رغبات زوجها، ومع تعميم هذا النمط الكلاسيكي للشخصية النسوية، نجد لدينا أمرأة انثى، هي كل ما يتمنى الرجل الشرقي الحصول عليه، أنثى تلبي رغباته وتبتعد عن مشاركته في صنع القرار او التفكير في مشاركته في صناعة الحدث.

 

ومع تكرار استنساخ هذا النمط الكلاسيكي لشخصية المرأة وتعميمه في المجتمع النابلسي من جيل الى جيل، نجد لدينا فتيات لا يتمتعن إلا بقدرات عالية من الأنوثة دون التمتع بمقومات الثقافة والرغبة في التمرد على قيم المجتمع المهترئة، فلا تستطيع الفتاة النابلسية التفكير بإقامة علاقة حب قبل الزواج، إذ يقف المجتمع لها بالمرصاد، وحين يرغب الشاب بالزواج، يتجه صوب فتاة لا حول لها ولا قوة، يطلب يدها، وفور الموافقة على الزواج، تبدأً عاصفة التقاليد بالهبوب، تعليمات، قوانين، لوائح، وجهات نظر متضاربة، اختلافات ثقافية حول طقوس الزواج بين هذه البلدة او تلك، وغيرها من المبادىء والتحذيرات التي لا حصر لها.

 

حين يطلب الشاب فتاة للزواج، يطلب أهل الفتاة مهلة لمدة لثلاثة أيام للاستفسار عن أخلاق الشاب، وقد يكون هذا السلوك من أتعس الاساليب المتبعة للتعرف على تاريخ شاب وسلوكه، إذ يستطيع المتحري عن المعلومات ان يعرف شيئاً لا بأس به عن الوضع الأسري للعريس ووضعه الاقتصادي وما يقوله زملاؤه وجيرانه عنه، لكن هذا الاسلوب ينطوي على الكثير من الاغاليط المتوقعه، إذ من الممكن أن تكون هذه المعلومات جيدة لكنها لا تعبر بالضرورة عن شخصية الشاب المتقدم للزواج، ولا تعبر عن مشاعره وطموحاته، ولا تقترب من معرفة مفهومه للزواج، لذلك يبقى الحديث هنا منحصراً حول الاخلاق والوضع الاقتصادي، لكنه لا يصل الى المستوى الاعمق والخاص بشخصيته وثقافته، كما يجب علينا أن نضع بعين الإعتبار وجود بعض المشاكل بين أسرة الشاب والشخصيات التي يقوم الانسباء الجدد بسؤالهم عن أخلاق العريس ووضعه الاسري، لذلك، لماذا لا نترك مجالاً للعشرة والتعارف قبل الزواج ليتمكن كلا الطرفين من التأكد من صواب قرارهما، خاصة وأن الأمزجة كانت قد ُخلقت مختلفة ولا تتقارب أحيانا مع بعضها البعض، قد يكون للتعارف المطول، وليس التعارف المتبع في بلادنا، دوراً ايجابياً في تحديد إن كان التوافق وارداً ام لا، وأقصد بالتعارف التقليدي ذلك الذي يجلس فيه الشاب والفتاة في غرفة مجاورة لأهليهما أمام مرآى الاخرين وربما سمعهم أيضاً، ماذا يقول لها؟ وكيف يستطيع الانسان التعبير عن مشاعره بحرية وصدق في ظل رقابة مشددة؟ ما اسخفه من اسلوب، أن تذهب أسرة الشاب الى منزل أهل العروس، وتطلب ان يجلس ابنها مع الفتاة، ولا يكون قد تقدم لطلب يد الفتاة للزواج بعد، ثم يعود الشاب مطأطأً نظره الى الارض حتى يفهم والده أنه لا يرغب فيها، فتشكر الاسرة مضيفيها وتخرج من المنزل، وبذلك يفهم اهل الفتاة أن الشاب لم تعجبه الفتاة ولم تفتح شهيته للزواج، يا لسوق النخاسة والرقيق الابيض! يا لنا من أمة لم تتزحزح قيد أنملة منذ مئات السنين، بماذا نختلف عن الذاهبين الى السوق لشراء شيء ما، حتى الطيور وبعض الحيوانات تتمتع بأساليب أكثر ُرقياً من أساليبنا في التعارف، إذ ترى العصفور يزغرد ويرقص امام عصفورته ويقوم بتسويق صوته ولون ريشه وعذوبة الحانة ليقنع عصفورته بصواب قرارها بالاقتران به، وبعد قيامه بعشرات الحركات والرقصات أمامها، تقنتع او تبدأ بالاقتناع دون العودة لأهلها، كما لا يصطحب العصفور عشيرته في حركة استعراضية لعش عصفورته ليطلب يدها مرة أخرى كما نفعل في جاهاتنا الاستعراضية، إذ بعد موافقة أهل العروس، وبعد أن يتم عقد القران بايام او اسابيع، يتوجه العريس على رأس قافلة من السيارات المعبأة بوجهاء عائلته واصدقائه الى منزل العروس، ويقف الجميع في حشد كبير لا يتسع له المنزل وكأن صوت حالهم يقول: نتوسل اليكم ان توافقو وها قد جئناكم بعشرات الشخصيات لنضمن لكم ان ابنتكم لن ُتهان وستعيش في كنف هذه القبيلة الجديدة معززة مكرمة، كما تقوم هذه الجاهة بإثارة بعض الحركة والازعاج المقصود في الشارع للفت انتباه الجيران وتدعوهم للنظر ومعرفة أن هذه الفتاة قد تمت خطبتها حتى لا يـأكلو لحمها إن رأوها تسير بصحبة شاب غريب.

 

يقف شخص من وجهاء عائلة العريس ليطلب يد الفتاة، فيقوم شخص آخر من الطرف المقابل مجيباً بالايجاب، لم أسمع قط أن شاباً كان قد ُرفض طلبه أثناء الجاهة، فما دامت الامور كذلك، لماذا نستمر بممارسة هذا الطقس من الطقوس غير المبررة وغير الضرورية طالما أن الأمر مجرد تحصيل حاصل.

 

نعود الى عقد القران، إذ عادة ما يحضر الشيخ ويكتب عقداً بين الطرفين، ومن الجدير بالاحترام في هذا العقد ما يسمونه بالمؤخر، إذ كفل الدين للفتاة حقها بعد الزواج بكل دقة، ويا ليت الامور تسير كما نص المشرّع، إذ رفض الاسلام جميع الاوهام والاساطير والخزعبلات التي نتمسك بها الآن، وما أتساءله هو كيف نستطيع ممارسة الدين ومناقضاته في آن واحد، يا لنا من أمة مزدوجة الشخصية! وفور كتابة العقد، تبدأ سلسلة من الاجراءات والفعاليات، إذ يخرج جميع الذكور من منزل العروس، ويبقى العريس وحده بين جميع النساء، وتقوم بعض الفتيات بالرقص، ثم ُيجبر العريس على الرقص بحركات خجوله لا تعبر فعلاً عن رغبته الحقيقية بالمشاركة في هذا المشهد المصطنع للبهجة.

 

للبهجة والسعادة مقومات اولها ان تكون الفرحة نابعة من القلب وليست من أجل مجاملة الحضور، لا أحب الابتسام لمجرد مجاملة الاخرين، واشعر أحيانا بالرغبة بالابتسام والضحك بصوت عالٍ وأنا وحدي في المنزل، وما ذلك إلا لكوني اشعر فعلاً بالراحة والسعادة، السعادة شعور انساني نبيل لا يستطيع المرء أن يشعر به إلا إذا رغب بذلك من أعماقه وليس من أجل الآخرين. وتستمر مهزلة الرقص المنفرد للجنس الانثوي، وأتساءل في هذا الشأن، لقد كان الرقص قديماً أسلوباً تعبيريا من أساليب التقرب الى الآلهة او اسلوباً فنياً رمزيا للتعبير عن اسطورة او اسلوباً للعيش القروي او إيماءاً رمزياً يستعملها البشر لإيصال رسائل غير مباشرة للطبيعة او النار او الشمس او القمر، وقد قال الروائي العربي حنا مينا في رواية " شمس في يوم غائم": أن ترقص من أجل طرف آخر ينظر إليك وتهتم به وتتوقع منه أن ينتظر رؤيتك تمارس الرقص، فذلك عمل عظيم تشعر به بوجودك، لكن، أن ترقص للا شيء، فذلك هو الموت بعينه، ويقصد مينا بهذه الكلمات أنه يجب أن يكون هناك نقيض او طرف آخر توجه له هذه الرسالة، حينها فقط تستمتع بالرقص، وتشعر أن هذا الطرف هو الذي يدفعك للاستمرار في الرقص، تجد التشجيع في عينيه، وقد يشاركك الرقص فتندفع أكثر نحو المزيد من العطاء، الرقص عطاء، يمارسه الانسان ليُشعِر طرفه الآخر بالتحديد أنه معنيُ به ومهتم بردة فعله على هذا الحركات، لمن أرقص/ سؤال مبرر؟ كيف أرقص وأنا الشاب الوحيد في هذه الحفلة النسوية؟ وكيف ترقص خطيبتي حين تتحلق حولها العيون الشرهة مقلبة إياها رأساً على عقب؟

 

وتتكرر هذه الماساة فيما يسمونه حفلة الخطوبة، إذ تأتي عشرات النساء، وتجلسن على مقاعدهن لمشاهدة العريس والعروس، أن وقف الى جانبها قيل عنه قصير إن كان قصيراً، وإن كان طويلاً، قيل ان العريس أطول من العروس، إن أبتسم او ضحك، قيل ان العريس قليل الحياء، وإن قطّب حاجبيه قيل أنه غير إجتماعي، وان شرد ذهنه قيل أنه يفكر في الانسحاب من الزواج، او يبدو ان لديه مشاكل مع أهل العروس، وإن قبّل العروس أمام الحاضرات من النساء قيل انه إباحي، وإن لم يقبلها ُوصف بالجفاف وقلة الحيلة والبلادة، وإن احترم والدته قيل عنه محكوم لها، وإن نسيها أثناء الحفل قيل أنه قليل أصل، ويوصف العريس بالغباء إن لم يستطع تلبيس عروسه خاتمها وإن استطاع تلبيسها الخاتم والعقد بسهولة قيل عنه مجرب، وإن قبلها قبلة بلهاء قيل أنه أبله، وإن كانت القبلة قوية قيل أنه ساقط، وإن رقصت العروس كثيراً قيل أنها مندفعة باتجاه الزواج، وإن ابتسمت كثيراً قيل أنها ما صدقت أن وجدت عريساً، وإن بقيت ملتزمة قيل أنها مغصوبة على الزواج وقد تم تزويجها غصباً، وحين يرقص العروسان سوية، تترك جميع النساء اطفالهن الذين يحضرون أيضاً لإثراء الحفل بصخبهم وضجيجهم ويركزون أنظارهن على اسلوب رقص الزوج الذي نادراً أن يكون قد تدرب على إمتحان كهذا، وتبدأ النسوة بالهمس: لماذا تلبس العروس كعباً عالياً طالما أنها تعلم أن عريسها اقصر منها؟ او أعان الله العريس على عروسه، فهي فارعة الطول، وحين تكون العروس قصيرة القامة، تقول النسوة، سبحان الله، لا يكتمل الجمال.

 

وفي لقاء استقبال الرجال المهنئين بعقد القران، لا ترى أمرأة واحدة، بل ذكور وذكور، فصل صارم بين الجنسين، فصل ُيثبت فكرة رغبة الذكر بالتهام الجنس الآخر، فصل يقضي على الإنسان الذي بداخلنا، فصل يقول أن المرأة يجب أن تبقى معزولة عن عالم الرجال، يحضر الرجال الى قاعة الاستقبال ويشربون بعض العصير ويخرجون، لا افهم هذا الاستقبال، ولا استطيع استيعاب هذه المراسم غير المفهومة، لماذا لا يحضر كل رجل وزوجته ليقدما التهاني في حفل استقبال مشترك؟ لماذا لا نثق بأنفسنا؟ لن نثق بالاخرين طالما اننا لا نثق بأنفسنا، يجب أن نكسر هذه الحلقة المفرغة من ممارسة ما لا نؤمن به، ومن عمل ما لا نرغب بعمله.  

 

ومن البدع التي لا أعرف مصدرها الشرعي ما أصطلح على تسميته ب "الشوفه" وفيها يتم شراء ثوب لا يمكن استعماله الا لمرة واحدة فقط، ويتراوح ثمن هذا الثوب بين ثلاثمائة دينار والف دينار، ومن المزعج في هذا الموضوع عدم امكانية استعمال هذا الثوب مرة أخرى، ويتنافس بلهاء القوم في شراء كل ما هو غال في مناخ محموم من الهوس والتباهي بالاشياء، بعيداً عن التباهي بالعقول وما تحمله بل بالجيوب وما تنفقه.

 

مشاحنات عائلية، اعصاب مشدودة، مخاوف من نسيان دعوة أحد ما، توتر وترقب حذر، كأننا مقبلون على معركة يجب الاستعداد لها، ويرافق هذا التوتر المصاحب للتحضيرات المتعلقة بحفل الزفاف مشادات او خلافات في وجهات النظر بين أهل العروس وأهل العروسة، خلافات ليس لها مبررات سوى الرغبة في فرض الذات وفرض وجهة النظر، نحن أهل العريس، لا بل نحن أهل العروس ويجب ان ُتحترم وجهة نظرنا، ومن أسوأ المفردات الدارجة في تلك الاوقات مفردة: لازم، وكلمة: يجب، حيث يتحدث كل طرف عن افكار يعتبرها مسلمات يقينية لا يجوز النقاش فيها، إذ يجب تبادل عزومة الغذاء بعد حفل الخطبة بين العائلتين، ويجب ان يقوم العريس بكذا وكذا.

 

ُتعتبر الزيارات والعزائم أثناء الخطبة من الواجبات التي يشمئز الخطيب من أدائها، خاصة وأنها تأتي في الوقت الذي يرغب فيه الخطيب بالاختلاء بخطيبته، لكن تشعب أفراد العائلة وأقربائها يزيد من أعباء الخطيب، فهو مكلف بزيارة من نجح في امتحان التوجيهي او من يعاني من وعكة صحية، وغيرها من المناسبات التي كان في غنىً عنها قبل إرتباطه، قد يكون هذا النمط الاجتماعي مناسباً لرجل شرقي، لكنني لا أستطيع احتماله لانني أعاني من عدم قدرتي على التكيف المطلق مع ثقافتي الشرقية.

 

تقوم العروس بتصفيف شعرها في أحد صالونات التجميل، وتتباهى النساء في أسماء هذه الصالونات، ويتجلى صغرعقولهن كلما زهت إحداهن بتصفيف شعرها في صالون اكثر شهرة وتكلفة من غيره من الصالونات، ثم تذهب العروس الى ذلك الصالون خوفاً من كلام زميلاتها من طويلات اللسان اللواتي سيأتين لاحقاً الى حفل الخطوبة او الزواج للتمحيص والتدقيق في التسريحة وملاءمتها لوجه العروس ولون بشرتها وطولها ولون شعرها او الصبغة التي قد يتم استعمالها كي يكون الشعر أكثر شقاراً، تتألق العروس في هذه التسريحة لفترة لا تتجاوز الساعات الثلاث، ثم تعود لمنزلها بعد حفل الخطوبة لتكتشف انها لا تستطيع الاحتفاظ بهذه التسريحة لفترة أطول، وأن عليها التخلص منها لتتمكن من العودة لحياتها الطبيعية، سواء كانت ممن يلبسون الحجاب او لا يلبسونه، وتبلغ تكاليف تصفيف هذه التسريحة مائة دينار، أي ما يعادل المائة واربعين دولاراً يتم القاؤها هباءاً في الهواء دون أي منفعة تذكر اللهم سوى أنها تعبر عن اضمحلال التفكير وضآلته.

 

 وكثيراً ما ُيدعى الرجال للرقص في الدقائق الاخيرة من حفل الزفاف أو العرس، وليتهم لم ُيدعو الى هذا الاستعراض الهزيل للقدرات التعبيرية عن الفرح، إذ تتحرك الاجساد الناشفة غير المرنة الى اليمين واليسار، وتقفز الى الاعلى وتنحني الى الاسفل في حركات بهلوانية لا تربطها اي رابطة لا بالدبكة ولا بالرقص الشرقي ولا الغربي ولا الجنوب افريقي، تدوس الأحذية على الأقدام، وتتدافش الأجساد المتعاركة في مشهد مضحك قد يكون مبكياً في نفس الوقت، وقد يبادر أحد المتحمسين الى حمل العريس على كتفيه ظناً منه أن هذه الحركة ستنال اعجاب وتقدير العريس وأهله، لكنه لا يدرك ان العريس يقوم بشتم هذا المتطوع بكل اللغات التي يعرفها وذلك للمتاعب الحساسة التي يشعر فيها نظراً للضغط المتزايد على هذه المنطقة الحساسة من جسده، ثم ينزل العريس منهكاً ليقوم أحدهم بشبك يديه بيدي العريس ويلوح بهما يميناً ويساراً، حركات لا يمكن فهمها ولا استيعابها، تختلط فيها رقصات البدو مع رقصات الزنوج، لكنها ودون شك، لا تعبر إلا عن إفتقار المشاركين لأي خبرة في أبجديات الرقص رغم متابعتهم للفيديو كليبات المنتشرة بكثرة عبر الفضائيات التي تؤهلهم للرقص لو انتبهو قليلا.

 

وللموسيقى والمنوعات الغنائية جانب هام من النقد يستحق الانتباه، إذ كان التفاعل مع عازف الموسيقى عنصراً هاماً لتشجيع الحضور على التواصل والانسجام مع اللحن المغنى، ونرى الموسيقيين والمغنين في الحفلات وهم يشجعون الجمهور على الرقص بغنائهم الممتع، ولكننا في بلادنا السعيدة نضع الاقراص المدمجة في جهاز الكمبيوتر ليقوم مسؤول الصوتيات بنقلها بواصلة الكيبلات والاسلاك الى قاعة الحفل دون وجود فرقة موسيقية كما كان عليه الوضع في السبعينات او الثمانينات من القرن الماضي، ونادراً ان تجد ذكراً بين النساء المحتفلات حتى المصور، إذ تفضل النسوة البقاء في عزلة عن رجالهم، يا لإنعدام الثقة بين الجنسين في بلادي، يا لها من ثقة مفقودة، ترقص الفتيات والنساء دون أي تواصل مع المغني، ليس هناك مغنيٍ أصلاً، ليس لدينا سوى آلات، أذكر كيف كانت تنتشر في مدينة نابلس عدة فرق موسيقية غنائية لاحياء حفلات الأعراس، يقوم أفرادها بغناء المنوعات الغنائية التي يرغب العروسان بإختيارها، وتستمر هذه الفرقة بإهداء تحياتها للمشاركين في ا لحفل كما تقوم بتلبية رغبات المحتفلين الذين يختارون منوعات غنائية محددة، كانت قاعة سينما العاصي وقاعة لوكاندة فلسطين في مدينة نابلس من أهم القاعات التي يتم فيهما عقد حفلات الزفاف حيث تشدو هذه الفرق الغنائية بأغانيها.

 

ما دامت الامور ارتجالاً وفوضى، لماذا لا ألبس القمباز الفلسطيني؟ ولماذا لا تلبس عروسي ثوبها الفلاحي! هل نخرج عن الذوق العام لو قمنا بذلك؟ وهل نستحق سخرية الحضور لو مارسنا حقاً او رغبة يقوم بها كل مواطن في اي مجتمع من مجتمعات العالم! لا زلت أرى كيف يصر الافارقة على التمسك بتراثهم وعاداتهم غير مبالين بوجهة نظر الآخرين، هذا تراثهم وهم واثقون من انفسهم ولا يهمهم رضى الآخرين عنهم.

 

من مآسي الزواج انه يختصر علاقة كل طرف في شخص فرد واحد، علماً ان إحتياجاننا متنوعة ومتشعبة ولا يمكن لفرد واحد إشباعها، لذلك لماذا لا نكون موضوعيين ونتفهم رغبة الرجل او المرأة في إشباع إهتماماتهم الثقافية والفكرية والسياسية وغيرها من الاهتمامات المحترمة، لماذا تقوم الزوجة بأسر زوجها وفرض حصار ثقافي وفكري واجتماعي عليه؟ لماذا يجب عليه ان لا يقيم اي علاقة محترمة مع أي أنثى غير زوجته، لماذا تقوم هذه العلاقات على أساس من عدم الثقة والريبة والشك؟

 

قد تكون عادة لبس الخاتم او ما يسمونه بالمحبس مستوحاة من الاساطير القديمة، إذ تشبه العلاقة الزوجية بالحبس او السجن، وتشير هذه العادة الى الفتيات الاخريات والشبان الاخرين بأن حامل او حاملة هذا الخاتم مرتبطة بالخطبة او الزواج، وهي إشارة بضرورة الابتعاد وتحذير من خطر الاقتراب، لكنني أتساءل: ألا يحق لحامل/ة هذا الخاتم أن يأخذ إجازة من حمله؟ ولماذا يعتبر ترك الخاتم في المنزل مسألة غير جيدة، بل يمكن اعتبارها تهرباً من الزواج نفسه، او توجهاً نحو جذب الطرف الآخر الذي ينفر من إقامة علاقة كهذه لمجرد رؤيته للخاتم.

 

 

 ُيسمح لبعض الرجال المقربين جداً من العريس بالتسلل الى قاعة العرس، حيث يضع الرجال رؤوسهم في الارض خشية اقتراب عيونهم من النساء، ويبقى الرجال مصطفون خلف بعضهم بعضاً بينما تنظر اليهم العيون الجائعة للقيل والقال، ويتحرك طابور الذكور بطيئاً باتجاه منصة العرس ليقوم الشاب بالتسليم على صديقه فقط، ولا يجوز له التسليم على زوجة صديقه باليد الا نادراً، كما لا تسمح الاعراف له بالوقوف الى جانب زوجة صديقه كما تقضي بعض آداب المراسيم والبروتوكولات العالمية في مشهد مليء بالثقة.

 

وفي الكثير من حفلات الاعراس التقليدية، لم أفهم معنى وقوف الرجال منتظرين على باب القاعة، ولم استطع ان استوعب مبرر وجودهم هناك كالمتسولين، والذي يزيد الطين بلة خروج العريس من قاعة العرس في مشهد لا يتناسب اطلاقا مع جلال المناسبة ليقوم بالتسليم على أصدقائه المتواجدين في الساحة والذين يقومون بدورهم بإهداء العريس بعض الهدايا او النقود دون أن تتاح لهم فرصة لائقة للجلوس مع زوجاتهم في القاعة في مشهد عائلي متحضر، كل ذلك تم ويتم بسبب حجاب العروس إذ لا يجوز لأحد أن يراها وهي مكشوفة الرأس، بل تستعمل العروس حجاباً لا يتناسب إطلاقاً مع الجهود الكبيرة التي بذلتها سيدة صالون التجميل، انني اعاني كثيراً من أجل فهم عاداتنا وتقاليدنا التي لا تتناسب مع التطور التاريخي للكائنات الحية.

 

ومن المقزز في صباحيات العرس ان تطب عليك حماتك وامك خبط لزق، وذلك للاطمئنان والاستفسار حول امور وتفاصيل قد تكون محرجة او شخصية وقد يرغب الكثير من الازواج بالاحتفاظ بتفاصيلها امراً سرياً لا يرغبون باطلاع احد عليها، واعتقد ان من الاصوب طرد هؤلاء المتطفلين والحشريين بصلابة وتعويدهم على تقبل الطرد طالما انهم قدمو دون موعد مسبق لا يتناسب مع رغبة العروسين بالبقاء وحدهما تمشيا مع النص الشرعي الذي يطلب من الجميع ان يستأذنو قبل أن يدخلو البيوت من أبوابها وإن قيل لهم إرجعو أن يرجعو بكل رحابة صدر.

 

ومما يلفت الانتباه في طقوسنا النابلسية فيما يتعلق بمراسيم الزواج تلك العادة المسماة "النقوط" وقد كنت ممن يشجبون ويستنكرون هذه العادة الا انني ادركت وانا تحت وطأة مصاريف الزواج ان هذه النقوط تشكل عنصراً لا بأس به في رفع معنويات الزوج الذي رزح تحت وطأة ظروف اقتصادية صعبة طيلة الايام الماضية على الزواج، فتكاليف استئجار القاعة ليست قليلة ويضاف اليها تكاليف الصوتيات والكعكة وحفل الغذاء الذي يتم في اليوم الذي يلي يوم العرس مباشرة، وبمناسبة الحديث عن هذه العزومة ارى عدم وجود أي وجاهة او معنى لعقدها مباشرة بعد حوالي اثني عشرة ساعة على ساعة الزفاف وهو ما يعني عدم كفاية الفترة الزمنية المتاحة للعروسين للقيام بأداء واجباتهما  تجاه بعضهما بعضاً.

 

ومن مآسي العادات النابلسية تلك الأمور التي يخجل المرء حين الحديث عنها ونحن نعيش في الالفية الثالثة، حيث لا زالت أسر نابلسية كثيرة تعتبر ليلة العرس ليلة مصيرية، إذ تبقى ام العروس وام العريس متوترات وقلقات، وقد يكون توتر ام العروس اكثر شدة حيث تبقى متخوفة من عدم ظهور الدماء المتدفقة نتيجة التخلص من غشاء البكارة، ذلك الغشاء الاسطوري الذي انهارت اسر من اجلة وقتلت الاف النساء على مذبح الرجعية والجهل والتخلف لا لشيء سوى لعدم تدفق الدماء الناجمة عن المعاشرة الجنسية، هذا على الرغم من تأكيد العديد من الدراسات والاطباء على عدم صواب وجهة النظر القائلة بعدم عذرية الفتاة التي لا يتدفق الدم من جسدها لحظة الجماع، وبهذا تكون عشرات بل مئات وآلاف الفتيات العربيات قد تم قتلهن ظلماً عبر التاريخ العربي المجيد، وبذلك نكون قد قمنا بإعادة تكرار تاريخنا الجاهلي في قتل الأنثى ووأدها، تلك الانثى التي لا تعرف بأي ذنب ُقتلت.

 

ولا تكتفي ام العروس وام العريس بذلك بل تقوم احداهن (كما هو مدون في كتاب نابلسيات) بتزويد العروس بفوطة بيضاء لتقوم العروس بوضعها تحت الوسادة ولتستعملها حين الحاجة لتصطبغ هذه الوسادة باللون الاحمر ولتأخذها ام العروس برهاناً على عذرية ابنتها بينما تفتخر بها ام العريس دليلاً على ذكورة ابنها ويا لها من انجازات تافهة في زمن أصبحت الانجازات تقاس بالقدرات الذهنية والالكترونية وليس بالانجازات الفحولية.

 

ومما يثير الازعاج هو إلحاح الاهل على ضرورة انجاز هذه المهمة بأسرع وقت ممكن، حيث تتم مارسة الضغوط بأشكال متعددة سواء عبر الاتصالات الهاتفية او ارسال بعض افراد الاسرة الى أمام باب الغرفة او الشقة التي ينام فيها العروسين للاستفسار عن آخر المستجدات، لا اعتقد ان هناك ثقافة وصلت الى درجة من التفاهة والانحطاط تشابه المستوى الذي وصلت اليه ثقافتنا وتقاليدنا حيث تسمح لنا هذه التقاليد بالتدخل في الشؤون الجنسية وتفاصيلها الدقيقة ويعتبر هذا التدخل واجباً عائلياً في حين تعتبره كافة الشرائع والمبادىء العالمية شأناً داخياً لا علاقة للآخرين به ولا يجوز لأي كان التدخل او محاولة التعرف على أي شيء يتعلق به.

 

لقد حاولت وساحاول التمرد على كل ما هو بالٍ من أعرافنا التي أكل الدهر عليها وسكر، لا بد من التغيير، لن أييأس، وسأحاول وأجرب، حاولو وجربو معي.



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) تلميذ ابن البلد
اخي العزيز مقالتك هي شمعة في ليل حالك الظلام...لعل كلماتي بعيدة نسبيا عن الواقع كوني لم اتجاوز العشرين بعد....لكنني ساحاول ان اضيء شمعة كتلك التي أضت حينما اقل الزواج. ان الاسلام لم يظم المراة ولا الزوج..الذي ظلم هو الموروث الاجتماعي الذي لا يمت لصلة بديننا الحنيف. اعلنها منذ الان..مقاتلا على طريق التغيير مع اجمل التحياتد ابو العبد ( المستقبلي)

2) شاكر
اخي شكرا لك على هذا التمرد ولكن لا استطيع انا وانت التمرد على امور الشرع مثل ان نختلط بالنساء لان ذلك ليس تطور ولا حظاره فما هي الفائده من ان نرى نساء بعظنا البعظ ؟ وفقك الله للعمل باحكام دينه .

3) فتاه من هالبلد
يا من يصف نفسه واحد من هالبلد من الواضح ان مقالك ( اعراس نابلسيه) هو عباره عن تجربه شخصيه و انا لا انكر ان جميع ما قلته كان صحيحا" و انا كفتاه اتمنى لو استطيع ان اغير و لو بالشيء القليل مما كتبته و لكن بحكم اني فتاه فقدرتي على التغير قليله جدا" و لكن لي سؤال بسيط اريد ان اطرحه على حضرتك لماذا لم تقم انت بتغير تلك الامور واكتفيت بالمحاولة و قد كان باستطاعتك ذلك لانك كنت في داخل التجربه و الامر بيدك بحكم انك رجل؟ و ايضا" هل كان لافكارك في ذالك الامر تاثير على علاقتك بخطيبتك او زوجتك او حتى لا ادري ان كنت فعلاً على علاقه ما. و ان كانت فعلاً تجربة شخصية فمن الواضح انها كانت تخلو من العواطف و ذلك لانك لم تذكر الامر حتى و لم تتطرف الى اي شيئ جميل بل كل ما كتبت كان فقط انتقادات كانك مغلوب على امرك. و ايضا" هل لتلك الامور المذكوره تاثير على الحياه العاطفيه؟ و بحكم انني كنت معتصمة عن الزواج لنفس الاسباب و لكن اكتشف انني اسير بعكس التيار الجاري و العادات و التقاليد فهل اتمسك برايي ام اجري مع ذلك التيار الجاري؟؟؟؟؟؟؟

4) فلسطينية
يعطيك ألف عافية كل كلمة حكيتها صح مليون ب 100

5) خالد
شو هالتفاصيل الاباحية بالمقال، عيب على الموقع انه يحط هيك مقال ... يرجى حذفه وأريد أن أقول لهذا الواحد من هالبلد، لو أنك كنت قادر على تغيير شيء لفعلت في عرسك ,,, ولما انتظرت ان يفوت الاوان، لكن يبدو انك جبان لانك لم تنشر اسمك الحقيقي بلا مسخرة

6) بهاء الدين العزيزي
الأكيد أن الكاتب المحترم له وجهة نظره التي تحتمل الصواب و الخطأ و الأكيد أن له حريته الشخصية بطرح ما يراه ، لكن الأكيد أنه نحن النوابلسة مبسوطين بعقلنا ، و الأكيد أن الكاتب المحترم مش نابلسي

7) فتاة نابلسية
اريد ان اوضح شيئا ليس من الضروري ان كل بيت يسمح في ادخال الرجال الى حفلة الزفاف او الى القاعة لان كثيرا من العائلات لا تسمح للرجال في الدخول فا العادات لا تحتم ان نتقيد بها في كل شي وشكرااحببت ان اعبر عن وجهة نظري

8) نابلسيه كح
انا معك بكل كلمه وانا مش عارفه وين الاباحيه الي في مقالك!!! بالعكس المقال واضح وصريح و مكتوب بصيغه جيده.. واكيد انت مجرب ومقهور من التخلف الي النوابلسه بيعانو منه..وعلى فكره..مو بس عنا هيك..بكل البلاد العربيه هالتخلف متوارث... وبيعملو حالهم متدينين والدين بعيد عنهم بعد السما عن الارض!! مساكين... انا بنصح الأهالي يحترمو انفسهم وما يخلو اولادهم يوصلو لهالمرحله.. ونكبر عقولنا شوي..ونحاول نرتقي بتصرفاتنا شوي..