واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
رمضانيات نابلسية

تم النشر أول مرة بتاريخ08/10/2005 07:58:00

بينما كان يدعوني صديقي للتوجه الى البلدة القديمة في الاسبوع الاول من شهر رمضان لشراء بعض الاحتياجات الرمضانية، ُعدت بذاكرتي الى الصور التي إعتدت على مشاهدتها في مثل هذا الوقت من كل عام، وتأملت أن يحصل بعض التغير أوالتحسن في سلوك المواطنين ُتجاه هذا الشهر وطقوسه، لكنني حين دخلت البلدة القديمة وجدت ما لا يمكن تغييره، إن هذه المدينة عصية على التغيير، وجدت بضعة عشر زبوناً يقفون أمام محل صغير لبيع القطايف، كان صراخهم يعلو ويعلو بينما يجاهد المارة محاولين إكمال مسيرتهم في هذا الشارع الضيق، شاهدت عشرات المواطنين ملتفين حول بائع الحمص كمن يخشى انتهاء وجود الحمص عن الخارطة الغذائية العالمية، تدافعٌ كثيف للمواطنين في سوق البصل ومشاحنات بين الباعة المتجولين وصراخ على ابواب المساجد فور انتهاء صلاة العصر، مواطنون منهمرون كالسيل على بائع الحلويات الرمضانية ومثلهم ملتفون حول بائع الفلافل وبائع الخبز الذي يضع السمسم على الخبز في رمضان لاثارة شهية الصائمين وإسالة لعابهم، ولا يغيب عن المشهد طوشة هنا وتشابك بالايدي هناك وشتم للذات الالهية في مكان آخر، لكن هذا المشهد بقي جزءاً هاماً واعتيادياً من فسيفساء الحياة الرمضانية في نابلس.

 

وعلى الرغم من رغبتي وأملي بوقوع التغيير المطلوب في سلوكيات المواطينين، إلا أنني لم استطع منع نفسي من الشعور بالغبطة والراحة حين شاهدتهم يشترون السوس والخروب والتمر هندي  الذي أسال لعابي، لماذا نتكبر أحياناً ونرغب بتغيير جلدنا، سؤال راودني وأنا أرى المواطنين يأتون من كل فج عميق لشراء السوس والخروب والحلويات من البلدة القديمة بينما تنتشر عدة بسطات ومحال لبيع هذه السلع خارجها، أشعر أن المواطن النابلسي يحمل في قرارة نفسه شعوراً بأصالة وعراقة كل ما تم إنتاجه داخل أسوار البلدة القديمة، وهي ميزة إيجابية لصالح البلدة القديمة وتجارها، وأنا على يقين من أن الزبون سيفتخر أمام زوجته او والدته او ضيوفه بشرائه لهذه السلع من قلب البلدة القديمة، حيث الاصل وليس الفرع.

 

والى جانب هذه الطقوس الاستهلاكية الرمضانية، رجعت بذاكرتي الى رمضان أيام زمان، رمضان الطفولة والبساطه، ذلك الشهر الذي تميزت به حارتنا بين حارات البلدة القديمة، حيث كان يقوم شباب الحارة بتنظيم الالعاب البهلوانية في ساحة الحارة بينما ينظر السكان اليهم من شرفات منازلهم، كما كانوا يقومون بإضاءة ليل الحارة باستعمال بعض الالعاب النارية، كنا نلعب في أزقة الحارة ألعاباً لا ُتنسى، كالغميضة والسبع حجار وعزيبو وعالي واط واط والزقيطه وغيرها من الالعاب التي لا تزال في الذاكرة، أذكر هذه الالعاب كلما شاهدت اثناء تجوالي في البلدة القديمة حائطاً استعملناه أثناء لعبنا بالكره، او حوشاً تخبأنا بها أثناء لعبنا للغميضة، او درجاً جلسنا عليه حين لعبنا مسابقة فكر واربح...

 

 لم تكن لتكتمل طقوسنا الرمضانية دون زيارة زاوية الشيخ نظمي في حارة الغرب، حيث يقوم هذا الشيخ ومجموعة من زملائه ومريديه بالدعاء الى الله في حلقة للذكر يقيمها داخل زاويته بينما يجتمع الصبية على باب الزاوية لمشاهدة وسماع الاصوات المتعالية بنغم موسيقي منظم يرتفع احيانا ويستمر في الارتفاع ليصعد الى عنان السماء مرنماً: "الله حي"، مكللاً بالتسابيح والادعية المفعمة بالتعبئة الروحانية والوجد الصوفي وكل ما يقرّب من الذات الالهية، كان للشيخ نظمي عدة موسيقية شهيرة لا يقوم بإخراجها الى عند وفاة شخص هام ممن شهدت لهم المدينة بالتقى والورع، كما كان يقوم بقرع الطبول والدف  في ليلة متميزة كل سنة، إنها ليلة القدر، حيث يلتف المئات من الصبية والشبان وكبار السن حول قارعي الطبول بينما يقوم الشيخ نظمي بحركات غامضة لم أفهمها حتى الآن، ويقال أنه كان يقوم بإدخال سيف في جسده وقطع من الاسياخ المعدنية في خدوده ثم يخرجها دون جروح وكل ذلك بإرادة الله.

 

كان الكثير من المواطنين والصبية، الذين كنت أحدهم، نتسارع الى مسجد الحنبلي بعد صلاة المغرب من ليلة القدر لنحجز مكاناً مناسباً يمكننا من الحصول على شرف تقبيل بضع شعرات للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت هذه الشعرات محفوظة في المسجد وكنا نسمع كثيراً بها إلى ان تمكنت يوماً من تقبيلها بعد انتظار دام عدة ساعات تخللها التسبيح والصلاة والدعاء الى الله. لم تكن المساجد مسيّسة في تلك الأيام، بل كانت المساجد خالصة لله عز وجل، كانت ملاذاً روحياً يلجأ اليه الانسان للخلاص من همومه الدنيوية، وكثيراً ما نام المصلون في المساجد لما فيها من السكينة والطمأنينة.

 

ومن ذكريات تلك الأيام الرمضانية، أنني ذهبت لمسجد النصر وكنت في الرابعة عشرة من عمري، كان الطقس حاراً والنهار طويلاً، كنت أعمل في محل لبيع الاحذية والملابس في سوق الخان القديم، كنت أرغب ببعض الراحة من عناء العمل المتواصل، ومما يستحق الذكر أن الحركة التجارية كانت تشهد رواجاً كبيراً في شهر رمضان، وكان رمضان من أهم المواسم التجارية لسكان المدينة، ومن أجل تبرير رغبتي بالحصول على بعض الراحة أمام صاحب الدكان (المعلم)، الذي كنت أعمل لديه، كنت أتحجج برغبتي بالتوجه الى المسجد للصلاة، وكان معلمي يأذن لي بذلك إذ كان رجلأ متديناً،  ذهبت للمسجد في ذلك اليوم الرمضاني الحار، وأثناء الوضوء قمت كما كنت أقوم كل مرة بتسريب بعض الماء (عن الطريق الخطأ) الى جوفي مقتنعاً ان ذلك لن يضر بصيامي، ذهبت لأداء الصلاة ثم أمسكت المصحف الشريف لقرءة بعض الآيات القرآنية الى أن تعبت.

 

كنت أراقب العائلات التي تنزل مجتمعة للتسوق وتساءلت يومئذ: لماذا لا أستمتع بما تستمع به هذه الأسر؟ لماذا لا أقوم بالتجول في السوق كمستهلك او كزبون؟ إلا متى سابقى صبياً يعمل في هذا السوق؟ لقد كرهت البيع والشراء، لم أتعلم منه التجارة بقدر ما تعلمت الكذب، كنا نقول للزبون الذي يشكو من ضيق الملابس انها ستتسع مع مضي الايام، بينما كنا نقول للزبون الذي يشكو من اتساع الملابس انها ستضيق قريباً بعد الغسيل، تحول لساني الى لسان طلق في المجاملة والكذب والنفاق، وتحولت شخصيتي الى شخصية صبي تاجر صغير، هذه المشاعر تراودني كلما ذهبت الى السوق القديم حيث عملت ثمانية سنوات، سنوات لا آسف عليها، كانت قاسية ومدمرة لشخصيتي بقدر ما  صقلت تجربتي في الحياة، كان لهذه السنوات الفضل الاكبر في إبعادي عن عالم التجارة وتحفيزي على البحث عن مكان بعيد عن عالم الاموال في حياتي المستقبلية، تلك الحياة الأدبية التي أحياها الآن والتي تتمتع فيها روحي بالسعادة والطمأنينة بعيدأ عن عالم التجارة والمال.

 

كنا ونحن صبية نتجه الى السوق نازل الكائن في ساحة المنارة، حيث ينتشر باعة المثلجات والبليله والبراد والبوشار، بينما كان صوت صلاة التراويح يبارك الاطفال المنتشرين في كل زاوية من زوايا الساحة، كان بعض الصبية الاشقياء يقومون بإشعال الفتاشات والالعاب النارية ويلقونها في الهواء فيمتلىء الجو بأصوات المفرقعات وبعض الحرائق الصغيرة هنا وهناك، وقد لحق بنا بعض هؤلاء الصبية ذات مرة وسرقوا منا أكياس البليلة في زاوية معتمه مجاورة لساحة السوق نازل وذلك تحت ُجنح الظلام، إذ لم تكن الشوارع والازقة مضاءة بشكل منظم في تلك الاثناء من سنوات السبعينات من القرن الماضي، كنا نقوم بغسل أيدينا وملابسنا في عين ُيقال لها عين السكر، كانت هذه العين محاذية للسوق نازل، وقد تكاثر الاطفال حولها للشرب او لغسل ملابسهم خوفاً من أمهاتهم. كنت ممن يستمتعون بشراء شيء مميز في ذلك السوق، إذ كان أحد الباعة المشهورين آنذاك يبيع المخللات المتنوعة، وكنت ممن يستمتعون بشراء صحن صغير من المخللات بينما يصدح صوت البائع قائلاً: :بيجي عالبال حامض"، كنا نحمل شيئاً يشبه الفوانيس الرمضانية التي كنا نسمع عنها، لم نك نعرف أن الاطفال المصريين يحملونها معهم كل ليلة إذ لم تكن أي من المحطات التلفزيونية تصل الينا باستثناء المحطتين الاردنية والاسرائيلية، كنا نقوم بوضع شمعة في داخل علبة حليب فارغة نثقبها من الداخل لادخال الهواء ونحملها من الجانب الآخر وذلك لإضاءة الطريق التي كنا نخشى أن يظهر لنا فيه الجني الذي كانوا ُيرعبوننا به وبقصصة المخيفة.

 

 لم نكن من المصلين في مسجد النصر بل كنا ممن يتعصبون للصلاة في المسجد الكبير حيث يرتبط أهل حارتنا برباط مميز ومقدس مع هذا المسجد وزواياه وحجارته الكبيرة وتواضعه وبساطته، كان رواد هذا المسجد من البسطاء والفقراء ليلاً بينما كان يرتاده بعض التجار في النهار نظراً لوجوده في السوق التجاري الشرقي للمدينة، كنا نذهب لصلاة التراويح فيه، وكان كبار السن يتنافسون في الصلاة خلف الامام في الصف الأول، لقد منعونا كثيراً من الوقوف في الصف الاول، كنا ننتظر بفارغ الصبر ذلك اليوم الذي نصبح فيه طوال القامة لنتمتع بذلك الشرف الرفيع في الصلاة خلف الإمام الذي كان يتمتع بصيت كبير من المصداقية والامانة والانضباط، كان إمامنا الشيخ محمود الطاهر من الأئمة الكبار الذين تفتخر بهم مدينة نابلس، في حين كان يقوم الشيخ محمد البسطامي بإلقاء موعظة دينية كل يوم بعد صلاة العصر، وكان له كرسي كبير في الجزء الغربي من المسجد حيث كنا نلتف حوله للحصول على المعرفة والعلم، كان رجلأ عالماً واسع الفكر، وكان في ذلك المسجد بركة دائرية للوضوء، لا زالت موجودة لكن شكلها القديم كان أكثر جمالا حيث احتفظت بعراقة كبيرة نظراً لقدم بلاطها في حين لا يحتفظ البلاط الجديد بأي عراقة تشبه البلاط السلطاني القديم. وكنت ممن يذهبون الى دروس حفظ القرآن الكريم على يدي الشيخ أبو محمود شاهين الذي علمنا التلاوة والتجويد والحفظ طيلة أشهر السنة لكن عدد الملتحقين بحلقته كان يزداد في شهر رمضان حيث تجد فيها الاطفال والشبان يتنافسون على حفظ المزيد من الأجزاء من القرآن الكريم.

 

وفي يوم من الأيام، ومن أجل تعويض عجزنا على الصلاة خلف الامام في الصف الاول، وجدنا عليّة مرتفعة قليلاً عن الارض، قمنا بالصلاة عليها، وتتميز هذه العلية بأنها امتداد للصف الاول من الجزء الشرقي من المسجد، لكن زميلي كان ينافسني في الصلاة على طرف سورها، فقام في إحدى المرات وبعد بدء الصلاة بدفعي الى الجهة اليمنى حيث وقعت من الاعلى لأرتطم بأرض المسجد، وقعت على يدي التي حملتها وبكيت بصمت وخشوع يتناسبان مع جلال المكان وقداسته، ذهبت الى بركة الوضوء فوجدت رجلأ مسرعاً للحاق بالصلاة، رآني باكياً حاملاً يدي اليمني بيدي اليسرى، لم يساعدني، بل نفض الماء عن ساعديه وأسرع للّحاق بالصلاة، وضعت الكثير من الماء على ساعدي، لاحظت ان شكلها قد تغير، كما لاحظت انها ليست مستقيمة، ذهبت للمنزل بينما إستمر صديقي في صلاته مفتخراً بسيطرته على حافة العلية، أخذني والدي الى رجل في الحارة المجاورة، رجل ُعرف بقدرته على العلاج بالطب العربي، دخلنا عليه في منزله المتواضع، سمعته يقول لوالدي أن ساعدي ُكسرت وأنها ستبقى مجبّرة لمدة ثلاثة أشهر، حينها بكى والدي، كنت في الصف الرابع الابتدائي، قام الرجل بإحضار بعض القطع الخشبية وكسرها ووضعها حول ساعدي ولفها ثم دهن يدي بسائل اسمه "نشاء" وبقيت على تلك الحال ثلاثة أشهر تعلمت خلالها الكتابة بيدي اليسري.

 

كنت ممن عانى الأمرين في حمل الصواني الحديدية المليئة بالمعمول متوجهاً بهن الى الفرن في الحارة المجاورة، كانت عشرات الصواني تنتظر على الدور، كنت أنتظر انتهاء شواء المعمول حتى السحور في اليومين الاخيرين من رمضان، حيث تخف درجة اهتمام المواطنين بممارسة الشعائر الدينية لتحل محلها الاهتمامات المتعلقة بحلوى العيد وملابس العيد، كانت رائحة المعمول زكية جداً، وكنت ممن يلتهمون عدة حبات منه قبل وضع السكر المطحون عليه، كان لذيذاَ جداً وهو ساخن، وكنا، نحن الصبية، نقف أمام الصواني لنقارن اشكال القوالب التي اعتمدتهن أمهاتنا، حيث كانت اشكال القوالب مختلفة الاحجام والاشكال، بينما كان الفرّان يصادر بعض قطع المعمول من كل صينية لاستعماله الخاص.

 

كنت ممن يحلم طول الشهر بلبس الملابس الجديدة، كنت أضعها الى جانب السرير بعد القيام بعمل بروفات على ارتدائها، وكنت ممن ينتظر العيد من العيد الى العيد لانتظار فرحة لبس الملابس الجديدة التي لا تكتمل بها فرحتي إذ يتم تخبئتها بعد انتهاء العيد الصغير لاستعمالها في العيد الكبير بعد ثلاثة اشهر.

 

ولا يكتمل المشهد الرمضاني الا بعجقة يوم الوقفة، حيث لم يخل يوم وقفة دون ضرب مولوتوفه على دورية اسرائيلية تمر أمام المستشفى الوطني عبوراً الى شارع الملك فيصل، حيث ينهمر الرصاص وتبدأ الهريبة وتنقلب البسطات ويبدأ إلقاء الحجارة.

 

مشاهد لا تنتهي لمدينة حية وغنية بأهلها، تعرضت هذه المدينة لنكبات كبيرة، كادت هذه النكبات ان تدمرها، لكن روح سكانها وانتمائهم وحبهم لها هي عوامل البقاء والاستمرار لهذه المدينة.  

 

نابلس، 6 اكتوبر 2005

 

***



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) عاصم
الوصف الذي قدمه السيد علاء فيه عبق التاريخ القريب و البعيد بنفس الوقت ، فيه اصاله و ذكريات و حنين الى ما مضى من الايام الجميلة .و فيه ايضا بعضا من النقد السريع و البسيط لعدة مظاهر .مع ذلك تبقى لرمضان و ايام و ليال رمضان تلك النكهه الخاصة ذات البعد الديني و الاجتماعي و التاريخي .

2) أمين
غادرت نابلس منذ ثلاثون سنة ولا زلت أذكر كل شارع وحارةوزقاق وأملي بالله كبير أن أعود إليها .وألف شكر وتقدير لمن صور بكلماته ليالي رمضان أعاده الله على كل ألنوابلسة باليمن والبركات عاشق نابس الابية

3) محمود
كنت اقرأ واتذكر نابلس منذ حوالى 19 سنة , فعلا ما اجمل المدينة بخيرها وشرها , وتذكرت انه كان لى زميل بالدراسة من عائلة ابو ضهير وكان يسكن بنفس الجبل , ايام طفولتنا وبداية شبابنا لا تنسى من مخيلتنا , ادام الله الخير على الجميع