واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
ليلة نابلسية

تم النشر أول مرة بتاريخ21/12/2005 03:13:00

بينما كنت اتحادث مع زميلتي بواسطة برنامج المسنجر حول بعض المهام التي يجب القيام بها في اليوم التالي، سمعت صوتاً غريباً في اسفل سلم المنزل، وإذا بوالدي يصعد برفقة بضعة عشر جندياً مدججين بالاسلحة والعتاد والحقائب، اسرعت كما جرت عليه العادة عند كل مداهمة لمنزلنا، اغلقت الهاتف الخلوي، ولبست منامتي بدلأ من الشورت حتى لا اعاني من البعوض، وأخفيت الكاميرا في مكان بعيد نسبياً حتى لا يسرقها الجنود كما فعلوا في المرة الماضية.

 

وبأجزاء قليلة من الدقيقة، كان الجنود على باب شقتي، يصحبهم والدي وشاب من جيراننا، امرنا الجنود بالجلوس على الارض دون التفوه بكلمة واحدة، لم ُيسمح لنا باضاءة الشقة، ولا حتى بإبقاء الاضاءة الباهتة القادمة من احدى الغرف، جلبوا المزيد من سكان البناء الى شقتي، ومضى الجنود ينشرون الفوضى في المنزل، قاموا بإزاحة مقتنيات المنزل الى الجهة المشرفة على البلدة القديمة، عبثوا لساعات بأجهزة جلبوها معهم.

 

جلسنا على الارض بجانب الفرشة الوحيدة في المنزل، والتي انام عليها، كانت فرشتي، لكنها لم تعد تحت نفوذي منذ سيطر هؤلاء الجنود على المنزل، كنت اضع زجاجة من الماء بجانب الوسادة، وهي بعيدة عني متراً واحداً فقط، ولكن المسافة بيني وبين الزجاجة بعيدة جداً، كانت أي حركة نقوم بها كفيلة باطلاق الرصاص علينا، كنا في حالة رعب قصوى خاصة بعد استماعنا لحادثة قتل المدرس وابنه الذان تأخرا في فتح الباب للجنود الذين أطلقوا النار عليهما فأردوهما قتيلين.

 

كان الطقس حاراً جداً وجافا، وليس شيء أعز من الماء في ظرف كهذا، انتظرنا ساعتين تقريباً دون ان نعرف ماذا سيجري، وبعدها، قال لنا الجنود اننا يمكننا النوم في الصالون دون ان نتحرك او نتفوه بأي كلمة، اخذنا الفرشة اليتيمة، ووضعناها بشكل يسمح لاكبر عدد منا من النوم عليها، استعمل البقية بعض الوسائد للنوم، نام معظمهم على الارض، اغلق الجنود الممر المؤدي الى الجزء الاخرمن الشقة، مما يعني اننا سنضطر للجوء الى الجزء الذي يستعملونه لاغراضهم العسكرية كي نصل الى الحمام، طلبت من احدهم السماح لنا بالذهاب للحمام قبل نومنا، ومن يصدق اننا سننام، كان شاباً لطيفاً يتحدث الانجليزية بلهجة امريكية، قال لي: سنمكث عندكم بضعة ساعات، كانت هذه الساعات طويلة جدا، مر الوقت بطيئاً جداً، جلسنا في الموقع المسموح لنا بالجلوس فيه كقطع من اللحم، واشتدت حاجتنا للماء، رفض والدي ان يشرب من الزجاجة الوحيدة التي في حوذتنا، وفضّل ان يتركها للصغار الذين مروا بهذه التجربة عدة مرات، ما اصعب ان يرى الاطفال والديهم على هذه الدرجة من الذل والمهانة، وما هو الأثر السيء الذي يسكن نفوسهم نتيجة لرؤية والديهم مجبرين على الجلوس على الارض في هذا الوضع المهين.

 

مرت الساعات دون ان يغمض لي جفن، كنت ارجف من كل صوت يصدر في المنزل خوفاً من ان ينادي علي احد الجنود، إذ لا يجوز لي أن أتأخر ثانية عن تنفيذ تعليماتهم، والا فإن عاقبة غضبهم ستكون كبيرة، قد يحرموننا من الذهاب الى الحمام، او من قطرة ماء في هذا الحر الشديد، أصبحت قطرة الماء أعز ما يمكننا ان نحلم به، لاحظت ان والدي قد غفا قليلاً، قمت وبما توافر لدي من ماء قليل بوضع بعض القطرات على شفتيه وهو نائم، كان صوت تنفسه ثقيلاً، يا الهي كم تعب هذا الجسد من قلة النوم، خاصة في العامين الماضيين، حيث يتوجب عليه البقاء متيقظاً لكل حركة في الشارع، ولكل صوت ناقلة جنود تتوقف، كي يكون على أهبة الاستعداد لفتح بوابة المنزل.

 

فكرت كثيراً في تلك الاثناء بمستقبل العلاقة بين الشعبين، كيف يمكن لنا ان نقنع هؤلاء الاطفال بالسلام مع هذا الشعب الذي يرسل جنوده لاذلال آبائهم يومياً! فكرت في هذا السؤال ملياً، بينما كان الجنود يسرحون ويمرحون في منزلهم بينما لم يتمتع هؤلاء الاطفال بأي حرية للحركة.

 

وقبيل الفجر بقليل، شعرنا بعدم وجود أحد من الجنود في المنزل، لقد تسلل الجنود بهدوء تام، لم نشعر بهم يغادرون، ولكن الخوف الشديد الذي سيطرعلينا منعنا من التحرك من مواقعنا لفترة لا بأس بها، سكننا الرعب والخوف من احتمال بقاء بعضهم في الجزء الاخر من المنزل، لذلك عدنا الى موقعنا في الصالون دون حركة، وانتظرنا فترة اخرى، قمنا خلالها بمحاولة الاصغاء الى وجود أي صوت لهم ولو كان خفيفا، ثم تحركنا ببطء شديد داخل المنزل، استغرقت المسافة التي لا تتجاوز بضعة امتار عشرات الدقائق وذلك للتحقق من عدم بقاء جندي نائم هنا او هناك.

 

وذهبوا، لكن آثارهم باقية، لم يتركو شيئاً كما كان عليه، تعاملو بفظاظة مع محتويات المنزل، لقد وجدت الروايات والكتب الادبية مبعثرة في زوايا المنزل، لقد مللت من هذه المداهمات التي ترهقني عصبياً، لم اشعر بالارهاق العصبي كما اشعر به الآن، كم اتمنى ان استجم وابتعد ولو قليلاً عن هذه الحياة، حياة لا يحتملها احد، اشعر بحاجة ماسة للنوم لمدة طويلة، واشعر اكثر بحاجتي للاستشفاء من هذه الصور التي لا تفارقني في مناماتي، او بالاحرى، كوابيسي، اشعربالفزع اثناء النوم لاي حركة، لا استطيع النوم ساعة واحدة بشكل متواصل، كنت انام ساعات طويلة قبل سنوات، وبدون ازعاج من العقل الباطن او من المداهمات الاحتلالية، ولكنني الآن بحاجة للاستشفاء النفسي أكثر من وقت مضى، يجب ان اقضي بضعة اسابيع في مكان بعيد عن الوطن، مكان ارى فيه الطبيعة وخضرتها، الهواء ونقاءه، البحر وموجه، السماء وصفاءها، والحيوانات وبراءتها، اريد ان ارى كل شيء في هذا الكون ما عدا الانسان.

 

ملاحظة: بعد ان قررت قضاء اجازة هذا الاسبوع في النوم والاسترخاء تمهيداً لاستئناف الحياة الطبيعية في الاسبوع المقبل، اقتحم الجنود شقتي وتكرر ما حصل بالامس، ولم يتغير شيئ في المشهد الفلسطيني.

 

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) جندل الفلسطيني
ابتعرفي القصه الي اسمعتها ماهيه جديده على اي فلسطيني او بالاحرى هي جزء بسيط او لا يكاد يذكر من الاعمال التي يفعلها ابناء القرده والخنازير ببيوت اخرى مع احترامي الشديد الك بس احنا شعب او لا يمتلك الحريه حتى بالكلام فما بالك اذا كان ذالك فعلا او عملا وشكرا تحيات جندل فلسطين shmam_hawa

2) خالد
الشعب الفلسطيني يبارك لحماس لفوزها وليس العكس لأنها فازت بجدارتها وكمان حركة فتح فازت بجدارتها وكلنا شعب واحد ..... فلسطينيون والكل يعرفنا لو الارض عطشت نرويها دمائنا.....

3) عوني أبوزنط
مشكور يا واحد من هالبلد دايماً بتنورنا بكتاباتك الراقيه