واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
لكن دمها كان يغني

تم النشر أول مرة بتاريخ15/01/2006 04:51:00

 

"الى أهالي مدينة نابلس الكرام، بأمر من الحاكم العسكري لمدينة نابلس، ُيفرض نظام منع التجول على البلدة القديمة من الآن وحتى إشعار آخر، وكل من يخالف يعاقب" بهذه الكلمات الصادرة من مئذنة المسجد، تم فرض منع التجول على البلدة القديمة، وكثيراً ما كان يتم فرض هذا الحظر عليها، إذ كانت دوماً معقلاً نضاليا تنطلق منه التظاهرات والاضرابات والفعاليات الوطنية، ولكن فرضه هذه المرة حمل الكثير من الاحداث، إذ يأتي هذا الفرض لنظام منع التجول في محاولة لوقف التظاهرات الفلسطينية الممتدة ضد القرار الاسرائيلي بفرض الضرائب على سكان الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

 

فبعد أقل من عشر سنوات على الاحتلال الاسرائيلي لأراضي الضفة الغربية التي سقطت عام 1967، لم يستطع المواطنون الفلسطينيون قبول الامر الواقع ببساطة، فعلى الرغم من النكسة الكبيرة إلا انهم بقوا رافضين للاستسلام واليأس، رفضو الاسرلة Israelization  ورفضو التخلي عن قضيتهم وهويتهم الوطنية، وانتفضو في أول فرصة سنحت لهم.

 

استمر فرض نظام حظر التجول لأيام طويلة، كان أبي يشعر بالملل من البقاء في المنزل، لذلك كان يقوم بتسليتنا في تنظيف المنزل او أي عمل آخر، كانت أياماً مملة ومضجرة، لم نستطع حتى الجلوس على شرفة المنزل، إذ يستطيع أن يرانا جنود الاحتلال ليقومو بإطلاق قنابل الغاز علينا، كنا كمن يعيش في قفص صغير، كان منزلنا صغيراً، وكثيراً ما تضيق النفوس إن تم حبسها، نزلنا ذات يوم أثناء منع التجول لغسل الدرج، وفجأة رآنا الجنود، فهربنا الى المنزل، ولكن الجنود لحقوا بنا بعصيهم، ومكثوا في المنزل قرابة الساعة.

 

جلب الاحتلال مزيداً من التعزيزات العسكرية لمواجهة التظاهرات المتنامية يوماً بعد يوم، تم استبدال الوحدات العسكرية ذات الطواقي الخضر بوحدات لجنود ذوي طواقي حمر، قيل لنا انها أكثر شراسة، ويومها شاهدت ولأول مرة في حياتي مدرعة اسرائيلية تلحق المتظاهرين، وتقتحم سوق الخضار في الحي الغربي المعروف بسوق البصل، لم تستطع تلك المدرعة التي كانت ُتسمى "عزيزة" التوغل اكثر في الشارع الضيق جداً، لذلك قام جنود الاحتلال فيما بعد ببناء بوابات خرسانية وحديدية لإغلاق عشرات المداخل والمخارج في البلدة القديمة من أجل تسهيل ممتهم في إلقاء القبض على نشطاء التظاهرات.

 

كنت أراهم شباناً عاديين من طلبة المرحلة الثانوية في الاغلب، كانت موضة شعرهم في تلك المرحلة من السبعينات هي تلك التي يطلق فيها كل منهم العنان لسوالفه العريضة، بينما يلبس بنطالاً عريضاً من الاسفل يسمى بالشارلستون، بالاضافة الى حذاء عالي الكعب، اذكر هذه المواصفات منذ رأيت أحدهم يقرع بابنا بينما كان هارباً من دورية اسرائيلية، دخل منزلنا وخرج من الساحة الخلفية للمنزل، وقد سقط منهم شابان شهداءَ في تلك الانتفاضة.

 

كان هؤلاء الشبان من اوائل من وضع اللبنات الاساسية لانطلاق انتفاضات فلسطينية متتالية من داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، كان الاهل يتحدثون لنا عن بطولات هؤلاء الشبان الذين تحولوا الى أساطير في المقاومة والنضال، لم تكن اسليب رد فعل جنود الاحتلال الاسرائيلي على تلك الدرجة العالية من القسوة والبطش كتلك التي نراهم عليها اليوم.

 

وذات يوم من تلك الايام، ذهبت مع والدي الى سوق الخضار الغربي، كان الشبان يعدون أنفسهم للخروج الى دوار المدينة، حيث المقياس الحقيقي للجرأة على مواجهة جنود الاحتلال، فوجئنا جميعاً بهجوم الجنود تحت وابل من القنابل المسيلة للدموع على ذلك المدخل من البلدة القديمة، وتدافع المواطنون بسرعة كبيرة في كل الاتجاهات، وانقلبت عربات الخضار في الشارع، وأصبح الجنود أقرب وأقرب، لا ترى من الناس سوى دموعهم المنهمرة بغزارة، أذكر كيف قام أحد باعة البصل بإستخدام حجر لكسر حبات البصل وقام بتوزيعها على المواطنين لقهر حرارة القنابل المسيلة للدموع، ثم اصابت إحدى الرصاصات بائع الجرائد، كنا نسكن في الحي الشرقي من البلدة القديمة، لذلك كان علينا ان نركض مسافة لا بأس بها، وما ان وصلنا الى المنزل، حتى كانت الحارة تعج بحركة غير طبيعية، لقد قام الجنود بملاحقة تظاهرة نظمتها طالبات المدارس ضد الاجراءات الاسرائيلية، قال الشهود من أهل الحارة أنهم شاهدوا الجنود يلحقون مجموعة من الفتيات النشيطات ممن نظمن التظاهرة، وأطلقو النار على إحداهن، وتركوها تنزف حتى الموت لتصبح من اوائل الفتيات الفلسطينيات اللواتي التحقن بالنضال الوطني بعد ثلاث سنوات من قيام زميلتها دلال المغربي بإعطاء القدوة للفتيات الفلسطينيات بضرورة الانخراط في النضال على قدم المساواة مع الرجل.

 

تأثر الجميع على مقتل لينا، فرض الاسرائيليون حظراً مشدداً لنظام منع التجول، لم تكن لدينا اي محطة للاخبار، لم نستطع الحصول على معلومات دقيقة سوى تلك التي يجود بها المذياع الاردني او الاسرائيلي، كنا في أمس الحاجة لكلمة ترفع معنوياتنا، سيطر الغضب على سكان البلدة القديمة الذين شعروا بالتقصير لعدم تنظيم جنازة تليق بجلال المناسبة، وفجأة يصرخ أحدهم في الحارة، افتحو المذياع، لقد قوي البث من إذاعة صوت فلسطين من بغداد، وفتح كل من لديه راديو على تلك الاذاعة، وإذا بفيروز تغني: "لأجلك يا مدينة الصلاة، أصلي، لأجل من دافع واستشهد في المعارك....واستشهد السلام في وطن السلام" أثارت هذه الاغنية مشاعر الجميع، كأنها تقول لنا: " يا نبض الضفة لا تهدأ، أعلنها ثورة، حطم قيدك اجعل لحمك جسر العودة".

 

لم تتوافر لأي منا اشرطة وطنية في تلك الفترة إذ لم تكن المسجلات منتشرة بعد، كانت أي أغنية تكفي لأثارة المشاعر والتدفق على الشوارع وكسر نظام حظر التجول، وعلى الرغم من صغر سني، إذ كنت في السادسة من العمر، إلا أنني أذكر ما كان ُيقال يومها، قيل أن مدينة نابلس بنسائها وأطفالها قبل رجالها وشبانها نزلت لتشييع شهيدة نابلس الاولى، لينا النابلسي، كنت ممن حالفهم الحظ من الاطفال ووجدوا من يحملهم، حملني والدي على كتفيه منذ وصلنا الى الشارع الرئيسي، شارع الملك فيصل، وشاهدت بحراً من الناس، إختفى الجنود أمام هذه الامواج البشرية الغاضبة، شاهدت شاباً محمولاً على كتف زميله، كان يقود الجنازة التي تحولت الى تظاهرة، الى ان وصلنا الى المقبرة الشرقية، والتي تحولت لاحقاً الى مزار للشبان الوطنيين والمتحمسين، كنت أذهب معهم لاحقاً لنرى علم فلسطين، كان مرسوماً على قبر أحد الشهداء الثلاثة، وكانت اول مرة أرى فيها العلم الفلسطيني المحظور ونحن نقرأ الفاتحة للشهداء الثلاثة بينما كان دم لينا يغني للجسد المغصوب الغاضب في القدس ويافا وأريحا، واستشهدت لينا ليمسي الوطن حرا.



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) nour
والله ذكريات لا تنسى ، تحضرها اخي وكانها الان ، فشكرا لك صديق طفولتي على هذا المجهود وعلى فلم الذكريات التي ابدا وابدا لن تنسى ، فالمواقف تسترجع وكانها شريط سينما خصوصا اذا اعيدت بتفاصيلها شكرا والف شكر

2) عوني أبوزنط
الله يرحم كل شهادئنا يا رب ومشكور يا أخ علاء على كلاماتك الرائعه التي تمس وجدان ومشاعر كل غيور على هذا الوطن الغالي أخوكم عوني الفلسطيني أبن مدينة نابلس

3) شب من هل الشعب
لينا كانت طفلة تصنع غدها لينا سقطت.. لكن دمها كان يغني كان يغني كان يغني

4) نابلسي
مظاهرات العام 1976 حفرت في ذاكرتي , واستشهاد السمحان ولينا النابلسي , ومقاومة المدارس التي كانت تخرج كالسيل في وجوه جنود الاحتلال البغيض , وتراجع اسرائيل عن قرارا الاداره المدنيه من عنف المظاهرات اذكرها تماما , كان بيتنا في حارة الياسمينه وعندما يفرض منع التجول كان رجال الحاره يجتمعون ويتحدثون وكنا شباب نجتمع مع بعضنا ,, دار النابلسي واستيتيه والعقاد والعزيزي وسمارو ولباده والصدر ,, كانت ايام سوداء , كنا نكافح ونقتل ونسجن ونعتقل والعالم يتفرج علينا .