واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
متى كان الشعر اكثر فتنة من العيون

تم النشر أول مرة بتاريخ04/02/2006 01:43:00

يقولون جاءت الالفية الثالثة، ويجب علينا ان نستعد لمواجهة متطلباتها، وكأننا فعلا كنا نعيش في الالفية الثانية، ولكن نظرة سريعة على الالف سنة الماضية من عمر الثقافة العربية والتقاليد الشرقية تبرهن لنا اننا لم نتحرك شيئاً يذكر مقارنة مع ما تقدم به العرب الاوائل بل بالكاد نصل في تفكيرنا الى المستوى الذي وصل اليه العرب قبل مجيء الغزالي الذي قاد امتنا سريعا الى الوراء بعد ان رأت بصيصاً من النور بمجيء ابن رشد رائد العقلانية والتنوير.

 

لن اتحدث عن الثقافات العربية وانما سأقصر حديثي حول العادات والتقاليد التي لم تتغير منذ الفي سنة، ففي الوقت الذي يتحدث فيه الغرب عن عصر ما بعد العولمة وعصر ما بعد الانترنت، لا نزال نغرق في بحور الجهل والتخلف والامية، وسأقصر حديثي عن التخلف في معاملة المرأة في المجتمع الذي اعيش فيه منذ ثلاثة عقود من الزمن، وهو نموذج يقترب او يبتعد كثيرا او قليلا عن اقرانه من النماذج الاخرى في الاراضي الفلسطينية.

 

سمعنا في الاشهر الماضية عن وصول اول مركبة الى سطح المريخ، ولكننا لا زلنا نسمع ونرى في هذه المدينة، نابلس، كيف يصر الرجل على عدم حضور أي رجل لحفل زفافه، ما هذا الطقس الغريب عن الطبيعة الانسانية، واي "جبار" هذا الرجل الذي لا يرغب برؤية اي رجل في قاعة العرس يوم زفافه، قد اكون مصيبا اذا قلت ان هذا النمط الفكري يفتقر الى الثقة بالنفس، وهو نمط فكري معمم على هذه الشريحة النمطية في الوعي النابلسي، فالمرأة مجرد شيء ُيحتاج اليه في المنزل لاغراض متعددة، ولكن يغلب على هذه الاغراض الطابع الجنسي والخدماتي، ونظرا لاعتراف الرجل النابلسي بضعفه وعدم ثقته بنفسه، اصرّ وعلى مدى العصور على ابقاء المرأة في المنزل، فلا تخرج منه الا للضرورة القصوى، كالذهاب لزيارة الطبيب او لزيارة الاهل، وان خرجت من المنزل، يجب عليها الانتباه الى عدم التزين، وان ذهبت للجامعة، يجب عليها ان تقوم بعمل (ابديت) لاسرتها عن مجريات كل لحظة من اللحظات التي تقضيها في الجامعة، مع ضرورة ان تبدو متواضعة الملبس قدر الامكان حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض...

 

ومما يؤلم في هذه المدينة ذلك المشهد الذي كثيراً ما اشعرني بالاحباط، مشهد فتاة على درجة متواضعة من الجمال لا ترتدي الحجاب، وتسير في المركز التجاري للمدينة، بينما تلحق بها العيون من رصيف لآخر، ويجرؤ هؤلاء "المدافعون عن العادات والتقاليلد" على توجيه الكلمات النابية والمقززة والبذيئة لها، فتهرب من هذا الرصيف بسبب وجود مجموعة من المتسكعين الذين لا يدخرون مفردة الا وقالوها لها لتصل الى الرصيف الآخر لتجد مجموعة من الساقطين بانتظارها، وليقوموا باستكمال رسالتهم "النبيلة" في الحفاظ على شرف المدينة، وذلك بتشجيع كل فتاة على عدم التوجه الى المركز التجاري الا للضرورة القصوى، فالفتاة هنا اشبه بعصفور وقع بين انياب مجموعة من الذئاب الشرهه.

 

تصعد هذه الفتاة الى احد المكاتب لاجراء معاملة ما او لمراجعة طبيب، لتجد الشبان الابطال يجلسون على سلالم الابنية وهم يستنشقون الدخان ليهبوا لاستقبال الفتاة ومرافقتها حتى تصل الى المكان الذي تقصده، طبعا لا يقصّر هؤلاء الشبان عن ارسال الرسائل المقرفة للفتاة سواء بحركاتهم القذرة او كلماتهم الاقذر او نظرات عيونهم الجائعة.

 

لم ولن استطيع ان استوعب كيف يمكن للحجاب ان يحمي الفتاة من عيون الاخرين، لقد لبست معظم الفتيات الحجاب رغما عنهن للتخلص من هذه التحرشات اليومية، لا افهم كيف تفرض عادات نفسها بقوة على الناس كما تفرض عادة ارتداء الحجاب نفسها علينا، يمكنني القول ان فرض الحجاب بقوة التهديد والتحرش لا يقل قبحا عن اي شكل من اشكال العنف المعروفة، فمتى كان الشعر اكثر فتنة من العيون؟ هل لنا ان نتساءل عن امكانية تحجيب العيون ايضاً؟ يجب ان تخضع هذه الامور للعقل والمنطق وان تبتعد عن املاءات المجتمع الذكوري.

 

لقد هزم الرجل المرأة قبل حوالي الثلاثة الاف سنة، وسيطر على مقاليد الامور، واصبح مسيطرا على مختلف الامور التي يستمتع بها الرجل في هذا المجتمع الابوي البطريركي، لكنه لا زال يتصرف بخوف من عودة المرأة الى مسرح الحياة، لذلك نراه يبذل قصارى جهده لاعادتها للمنزل، لن يدخر الرجل الشرقي والنابلسي تحديدا وسعه لفعل ما امكنه من اجل اعاقة اي محاولة لظهور المرأة في المجتمع، وسيبذل كل ما في وسعه لاعاقة تقدمها، فعودتها ستهدد نفوذه الذي سلبها اياه في الماضي الغابر، سيدمرها الرجل نفسيا من خلال ملاحقتها في الشوارع، وسيحبط مشاريعها في التعلم والتطور واكمال تعليمها العالي وذلك من خلال التدخل الدائم بضرورة زواجها، فالزواج سترة، وكأن المرأة تبقى مكشوفة الى ان يأتي الرجل و"يتكرم" عليها بأن "يستر" عليها.

 

لا يوجد مكان في مدينة نابلس تستطيع ان تسير فيه الفتاة بمأمن من العيون الشرهة التي تفيض برائحة الجنس، فالمرأة هنا مجرد جنس وما عدا ذلك توابع بما في ذلك ثقافتها التي تحتل مرتبة ليست الاولى طبعا، كم تمنيت ولا زلت اتمنى ان ارى فتاة تسير في شوارعنا كما تسير الفتاة في اي مدينة عربية اخرى، في مدينتنا تبطىء السيارات من سرعتها لالقاء نظرة على وجه الفتاة، ويتحرش بها الراكب في السيارة بكافة اشكال التحرش اللفظي والمادي.

 

يا الهي كم تتحمل المرأة في رحلة عذابها اليومية من المنزل الى العمل او الجامعة! كم كلمة تسمع في الطريق! فليجرب الرجل ولو لمرة واحدة ان يضغ نفسه مكان المرأة ويسير في رحلة العذاب هذه، وانا على ثقة تامة انه لن يحتمل هذا التحرش ولن يستطيع أن يبقى صامتاً أمام تعليقات الآخرين، بل سينفجر صارخا مدمرا كل ما حوله.

 

لو وثق الرجل بنفسه لوثق بزوجته، ولوثق انها لن تحب سواه، ولكن القيود الرهيبة المفروضة على المرأة النابلسية كبيرة ولا يطيقها أحد، فإنعدام الثقة امر يجب ايجاد حل له، ويؤسفني القول اننا لا نسير شيئا ُيذكر في هذا الاتجاه، إذ لا زالت المرأة تأخذ إذن زوجها كلما رغبت بالخروج من المنزل، حتى ولو بلغت من الكبر عتيا.

 

كثيراً ما يتبجح البعض بالقول ان مجتمعنا نظيف ونقي إذا ما قورن بالمجتمعات الغربية، ولكنني ادعو الى التريث قبل اصدار احكام كهذه، فلا زال مجتمعنا يسير في اهم مكوناته الاجتماعية الى الوراء، الا وهو موضوع المرأة، واقولها صراحة: لن يتغير وضعنا الاجتماعي والثقافي طالما بقيت المرأة جارية في زمان لا جواري فيه.



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) majhola
الله ينصرك.....100% صح