واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
ذكريات غزاوية

تم النشر أول مرة بتاريخ06/08/2006 01:46:00

أخيراً، حصلت على إذن من معلمي للذهاب مع اسرتي الى قطاع غزة، كان موسم العيد قوياً، بيع وشراء من الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، كانت مدينة نابلس تعج بالمتسوقين الذين يأتون الى اسواق البلدة القديمة للتبضع، لم تكن الاسواق في احياء البلدة غير القديمة قد أفتتحت بعد، كنت في الثانية عشرة من العمر، كان القرار بزيارة غزة مفاجئاً، لم أعلم ما الذي دفع والدي لاصدار تعليماته بالإعداد للسفر المفاجىء لغزة وبسرعة، كان راغباً بزيارة اخواله وخالاته الذين اتجهوا الى قطاع غزة بعد الرحيل من يافا عام 1948. لم تتوفر لدينا الهواتف في تلك الفترة من اوائل الثمانيات للتواصل مع الاهل. لذلك لم يكن هناك بد من اللقاء الجسدي بين الفينة والاخرى.

 

كانت الطريق الى غزة تبدأ بمدينة قلقيلية، ذهبنا الى خط السير السريع الذي يبدأ عند تلك المنطقة، وانطلقنا في باص قديم ممتلىء بالركاب، كنت ممن امضوا الطريق وقوفاً، لا بأس، فالطريق لا تستغرق الكثير من الوقت، ساعتين تقريباً، يمكن احتمالهما. لم يتوقف الباص عن التهام الطريق رغم قدم سنة، شاهدت من نافذته الشوارع العريضة والاشجار الباسقة على جانبي الطريق، كما شاهدت أناساً آخرين، ليسو مثلنا، كانت أول مرة اشاهد فيها هؤلاء القوم، رأيتهم بملابس الجيش لكنني لم ارهم بالملابس المدنية، لم أعرف يومها سبب وجودهم الى جانبنا، كما لم افهم السبب الكامن وراء ضرورة رؤيتهم وأنا اتنقل بين طرفي الوطن في الضفة وغزة، لم املك من المعلومات الجغرافية يومها ما يؤهلني للاجابة على بعض الاسئلة الساذجة.

 

كان السفر في شهر اكتوبر، وصلنا الى غزة وذهبنا فوراً الى منزل اخوالنا في حي الرمال، الذي يعتبرمن اهم احياء غزة، كانت شوارعه مليئة بالرمال، رمال بحربة ساحلية، فوجئت بطعم ماء غزة، يا لملوحته، اعجبتني ظرافة لهجة اهل غزة، مزيج من اللهجة المصرية الناعمة اللطيفة ولهجة مهاجرين يافا ولهجة سكان غزة الاصليين، يا له من مزيج لطيف.

 

كان وصولنا يوم وقفة عيد الاضحى، كانت الاسواق تكتظ بالمتسوقين، كان والدي يرغب بقضاء اجازة العيد في غزة للحفاظ على الروابط العائلية التي تجمع شطري العائلة، لذلك حرص على شراء الهدايا لقريباته من النساء كما جرت العادة كل عيد، وما ان استقر بنا المقام حتى بدأت الهتافات المعبرة عن الفرحة تنطلق في الشوارع، لقد قام أحدهم باغتيال الرئيس المصري انور السادات في مصر، ذلك الرئيس الذي الحق اكبر هزيمة بالامة العربية حين وافق على إبعاد مصر عن ساحة المعركة مع اسرائيل ووقع اتفاقيات كامب ديفيد المذلة التي اعادت القضية الفلسطينية والعربية الى الوراء عشرات السنوات، وأعطت الشرعية لوجود الكيان الاسرائيلي في فلسطين المحتلة.

 

في صبيحة يوم العيد، ذهبنا للصلاة في ملعب فلسطين، وهو ساحة مكشوفة كبيرة في حي الرمال، فوجئنا بهذه الطقوس التي يتبعها الاهل في غزة إذ يذهبون للصلاة في ساحات كبيرة بعيداً عن المساجد، سمعت والدي يقول أن الخطيب قويٌ، أخذنا ابناء اخوال والدي لالقاء التحية على هذا الخطيب المفوه الذي يمتلك هذه العزيمة التي يتحدث عنها الجميع، اقتربنا منه، كان رجلاً نحيل الجسد، مقعداً، يحمله بعض زملائه لوضعه على كرسي متحرك قديم، اقتربنا منه للسلام، سلم عليه الحضور داعين الله ان يتقبل من الجميع صلواتهم، قالوا لنا ان هذا الشيخ مصاب بمرض في جسده، اعتقد انه مرض شلل الاطفال، لم أعر الموضوع كثيراً من الاهتمام الى أن دارت السنوات والايام وتعرفنا على هذا الرجل عبر شاشات التلفزيون بإسم القائد الروحي لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين. هذا الشيخ الذي بدأ مسيرة تثقيفة طويلة لمجتمعه تجلت بنجاحه لاحقاً بإحداث تغير نوعي في التركيبة المجتمعية لقطاع غزة.

 

ذهبنا الى البحر، لم يكن الشاطىء مرتباً، لكنه كان كافياً للسباحة والاستجمام، توقفنا بجانب مطعم ابو حصيرة، حيث يكتظ الشاطىء بالمستجمين، يا الهي كم يكتظ قطاع غزة بالمواطنين، سبحنا وامتلأت ملابسنا واحذيتنا بالرمل وعدنا الى بيت اقربائنا لنستحم مرة اخرى، كانت اول تجربة لي مع البحر، شعرت بجاذبيته وقدرته على سحر كل من رآه، كيف نستطيع نحن سكان المناطق الجبلة على التكيف على الحياة دون بحر! للبحر عبيره وسحره، لا يدرك هذه الكلمات إلا من وقف امام جبروت البحر وحاول قهره، او على الاقل حاول الابحار فوق امواجه ومصارعتها، للبحر أثره النفسي على المشاعر الانسانية، يعيدها الى صفائها ونقاوتها، ويعمق انسانية الانسان ويصهر مشاعره في بوتقة من الحزن الممتزج بالامل، من منا لم ينظر الى الافق عبر البحر، ومن منا لم يشعر بالسكينة وهو يرى اقراص الشمس الحمراء تتلألأ في الافق وتغرق في البحر رويداً رويداً ساعة الغروب.

 

ذهبت مع والدي الى مخيم الشاطىء، حيث شاهدنا كميات كبيرة من الاسماك الطازجة مختلفة الاحجام، كان منظرها شهياً وممتعاً، تحدث والدي مع اقربائه عن اسماء كل نوع من انواع السمك، واسترجعوا سوية ذكريات السمك في يافا، حيث كانوا يعيشون على شاطئها يستمتعون بمشاهدة القوارب والسفن تأتي لتحميل البضائع او تنزيل الاسماك التي تم اصطيادها من ُعرض البحر.

 

مكثنا في منازل عدة، كان الاقرباء قد قاموا بجدولة زيارتنا بحيث نستطيع زيارة اكبر عدد منهم خلال ا جازة العيد التي قام والدي بتمديدها لعشرة ايام، كنا نذهب مع ابنائهم لشراء بوظة لذيذة تسمى بوظة العروسة من محل صغير على منعطف امام نصب الجندي المجهول الذي لم افهم معناه حينها لكنني فهمت انه مكان مهم. وذهبنا مرة للمشاركة في عرس وفوجئنا بوجود ما يسمونه الجنكية (الراقصة) التي تقوم بإحياء العرس آنذاك.

 

كانت كل اسرة من الاسر التي نزلنا في ضيافتها تحتفظ بمجموعة رائعة من الطيور في حديقة منزلها، بط، أوز، دجاج، صيصان ملونة، حمام، وغيرها من الطيور التي لم نتركها لشأنها، بل كنا نتفنن في ازعاجها.

 

فوجئت في غزة باقبال المواطنين على سيارات من نوع البيجو وارتداء بدلات السفاري المصرية، كانت موضة دارجة تلك الايام، ذهبنا الى منطقة يسمونها ايريز، وهي منطقة صناعية كبيرة تنتشر فيها مصانع كثيرة منها مصنع لتجميع الباصات، اصطحبنا قريبنا في سيارته الفولكس واجن حيث اخذنا جولة في بعض المواقع التي يعمل فيها الاف العمال الفلسطينين من قطاع غزة. قيل لنا يومها ان هذا المصنع يعمل على تجميع الباصات وبيعها لدولة جنوب افريقيا العنصرية التي يقوم العالم بمقاطعتها.

 

ومما اعجبني من طقوس العائلات التي استضافتنا استيقاظها المبكر كل صباح واجتماعها لصلاة الفجر، كان خال والدي صاحب صوت عذب، يقرأ القرآن بخشوع كبير، يتحلق حوله الجميع وهو يرتل الآيات القرآنية، كم اثار مشاعر كل من سمع صوته الشجي الممتزج بدموع الخشوع.

 

وفي نهاية الاجازة، عدنا ادراجنا الى نابلس في باص مكتظ، وقفنا في مؤخرة الباص الذي توقف فجأة، داست قدمي على سلة بط كنا قد اخذناها من اقربائنا الذين اهدونا بعض البط الصغير الجميل ذا اللون الذهبي، رفعت قدمي بعد ان توقف الباص لاجد زوجاً من البطء قد نفق.

 

***

 

 نابلس، 5 آب، 2006



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) اسلام
كم جميل ان يتذكر المرء لحظاته الجميلة التي يعيشها في ايام طفولته، وكم جميل ان يمدح المرء بمدينة زارها عشرة اياه فقط ، وكم هو جميل تذكره ونسجه واسترساله ليصور لاهالي الجبل كم هو جميل البحر وامواجه واشعة الشمس الذهبية. وهدي دعوة مني لكل اهلنا بنابلس والمناطق الجبلية لييجوا يزوروا غزة هاشم بالرغم من انها هلأ مش زي اول بس بيضل بحرها الساحر وبنضل احنا اهل يافا فيها!!