واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
تلك الايام

تم النشر أول مرة بتاريخ17/02/2007 14:58:00

الزمان الاول: 16 تشرين الثاني 1988

الزمان الثاني 16 تشرين الثاني 2006

 هل هي مصادفة ام مشيئة القدر! يا لهذا التطابق في الزمان والمكان، في التاريخ الاول: السادس عشر من تشرين الثاني عام 1988، وطأت قدماي ارض دمشق لاول مرة، وفي نفس اليوم من نفس الشهر ولكن في عام 2006، غادرتُ بلاد الشام بعد زيارة طال انتظارها وإمتد هذا الانتظار لاربعة عشر عاماً، هذه الزيارة التي ردت لي الروح التي بقيت فترة من الزمن معقلةً بالوطن الام، سوريا.

 قالوا ان الشام باردة في الشتاء، لم يعرفوا ان بردها ارحم من "دفء" الغربة التي اعيشها في الوطن، الشام بلد عزيز على القلوب، يجد فيها المرؤ ذاته وهويته، ما هي الهوية ان لم تكن الامن والامان والحرية والشعور بالإنتماء للبشر جميعاً! أشعر أنني في وطني هنا في دمشق، لم اشعر بالغربة وانا اسير وحدي في شوارعها، دمشق بلد يجد فيها الانسان ماهيته ولكن ذلك الوجود لا يكتمل الا بوجود المرأة التي افتقد. تجتمع عناصر الوطن في دمشق، الهوية والراحة النفسية والاطمئنان والامن، الا ان المرأة في الغربة تكون الوطن، والوطن بدونها يبقى غربة!

امرمفهوم ان احلم طيلة الاربعة عشر عاما الماضية بالتمشي في شوارع دمشق وان تحلق روحي فوقها، ولكن، ان يتمشى هذا الجسد في دمشق فعلاً فذلك امر غير متوقع، عدوت في الشوارع والازقة مسرعاً، رغبت بزيارتها بسرعة، تعبت، لم ارغب بالتوقف عن العدو. لم أصدق انني ازور دمشق حقاً، رأيتها كثيراً في منامي، وكم شعرت بالاحباط حين كنت أستيقظ وادرك انني كنت أحلم. لكنني هذه المرة كنت هناك، هناك حقاً وليس حلماً.

 لن اعود، فكرة خطرت ببالي بينما كنت اهرول في شوارع الشام لاستذكر الماضي البعيد، لم اتعرف على الوجوه، لكن الامكنة لا زالت تفيض بالذكريات، هنا تعرفت عليها اول مرة، وهنا ذهبنا لنتحدث في مشاعرنا المشتركة، وفي هذا المطعم كان لنا حفل بمناسبة لا اذكرها، وفي ذلك المكان تناولنا سوية المرطبات والبوظة الشامية.

 هنا عشت، وفي هذا البيت المحاذي للمطعم المسمى ب "المطعم الصحي" سكنت، لا زال محل المكوجي مكانه وكذلك محل الوجبات الخفيفة: الطيبات" هذا المحل الذي ملّ منا حين كنا نذهب اليه كل يوم في الصباح المتأخر حاملين صحنا مليئاً بالزعتر والزيت ليقوم بخبز بعض العجين معه وليصبح مناقيشاً يومية نأكلها طيلة فترة الامتحانات التي تتعدى الثلاثين يوماً. وغالباً ما رافق تلك المرحلة من الامتحانات فقر او بالاحرى طفر شديد، أذكر أننا ذهبنا ذات يوم الى بائع اللحوم المحاذي لمنزلنا ونحن نحمل حقيبة جلدية، قال زميلي للحام: هل يوجد عندك بعض العظم؟ فاجاب اللحام: أتقصد عظماً للكلاب! فأجاب زميلي: لا، لنا نحن، نحن طلاب، فأجاب اللحام وهو يلتقط قطعة عظم كبيرة ويهوي بساطوره عليها: لا حول ولا قوة إلا بالله.

 وقفت امام منزلي في حي الصالحية، فكرت بالدخول إليه، هممت، ولكن شيئا غريبا يقول لي لا تدخل. آه على كلمات خطرت ببالي في تلك اللحظة وبقيت اكررها كلما وقفت امام منزل عشت فيه ردحاً من الزمن هنا، كلمات قوية لشاعر عربي اصيل قال فيها: وما حب الديار ملكن قلبي، ولكن حب من سكن الديارا.

 بدأت خطواتي في احد الشوارع الدمشقية متوجهاً نحو مقهىً كنت من رواده، ويا لروعة المصادفة حين سمعت صوت فيروز يشدو بكلمات قشعرت جسدي، كلمات على الوجع: في قهوة عالمفرق، في موقده وفي نار، نبقى انا وحبيبي نفرشها بالاسرار، جيت لقيت فيها عشاق تنين صغار، قعدوا على مقاعدنا، سرقو منا المشوار. صرخت بصاحبي: هنا كنا نتسامر ونمارس العشق، هنا كنا نتبادل قصائد الشعر والكلمات العذبة هنا كنا وكنا وكنا.... يا ورق الاصفر عم نكبر، عم نكبر، الطرقات البيوت، عم تكبر، عم تكبر، وعدوت في شوارع دمشق متل السهم الراجع من سفر الزمان، قطعت الشوارع ما ضحكلي انسان، كل صحابي كبروا، واتغير اللي كان، صاروا العمر الماضي، صاروا دهب النسيان…

 ثم اسرعت بإتجاه أحد المنازل الني عشت فيها في البلدة القديمة من منطقة المزة، وهي منازل جيرية لم ُيستعمل الاسمنت في بنائها، بحثت عن منزلي بصحبة سائق التاكسي وصديقي الذي لم يعرف الراحة منذ دخلنا بلاد الشام، عجز سائق التاكسي عن التعرف على الحارة التي ابحث عنها إذ تم تدمير معظم البلدة القديمة وتم بناء عمارات وابنية ضخمة مكانها، لكنني تذكرت ان بيتي يقع مقابل المسجد القديم والصغير جداً، تذكرت ذلك فجاة، فطلبت من السائق التوقف واسرعت العدو بين الازقة بحثاً عن المسجد، كنت واثقاً من ان لا احد يستطيع هدم المسجد بحجة تحديث بناء الحي، وفعلاً، وبدقائق قليلة تمكنت من العثور على منزلي القديم في ذلك الحي، شاهدت الشرفة التي كنا نجلس عليها، كانت هذه الشرفة تتميز بقربها الشديد من مصلى النساء في الطابق العلوي للمسجد حيث كانت الفتيات الشاميات يذهبن للصلاة.

 بحثت عن دكان شيخ الحارة فلم أجدها، كان شيخ الحارة يقوم بمتابعة مهام ما نسميه بكبير القوم، وكذلك ملك الفول الذي كنا نفطر ونتغذى من فوله ايام التقشف. بحثت عن صالون طه الحلاق حتى وجدته، كان طه متخصصا بالحلاقة وتزيين الشعر، لم ار صالونا يتمتع العاملون فيه بالذوق الرفيع والخبرة العالية في تصفيف وحلاقة الشعر كالعاملين في هذا الصالون. اشتقت لرائحة المازوت، وشممتها أخيراً حين دخلت دمشق، أذكر حين دمعت عيناي ذات يوم حين شممت رائحته صدفة بعد مغادرتي دمشق بعدة سنوات.

 ما اروق بيوت الشام، مدخل طويل وارض ديار يسمونها: باب الزقاق، والبحرة تعزف فيها النافورة لحناً خالداً لا ُيمل، يجلس اهل البيت حولها يتناولون القهوة او يتبادلون اطراف الحديث، ويمتد البيت الى طابقين حيث يعيش الوالدان في الطابق السفلي بينما يعيش الابناء في الطابق العلوي، في حين ينعم الحمام بعش كبير فوق السطح، بلاط المنزل ملون وجميل وغرفة الضيوف او صدر البيت مزين بالارابيسك والخزفيات المرصعة من كنبايات ومقاعد تحيط بها الدالية الطويلة وعشرات الشجيرات الصغيرة المزروعة في اوانٍ من الجير او الفخار تفوح منها روائح الورود والياسمين والفل والنارنج.

 في هذا الحي، سهرنا كثيراً على نغمات أغنية انتشرت انتشارا سريعا وقويا في دمشق، أغنية هي الاخيرة لمحمد عبد الوهاب، اسمها: من غير ليه، لا اعرف لماذا تذكرت كلماتها بسرعة كلما شاهدت منظرا يذكرني بها في تلك البلدة القديمة حيث كان كل محل يفتح مذياعه على هذه الاغنية، حتى  ُخيل إلي انني سأجد جميع المحلات لا زالت تستمع الى هذه الاغنية: جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين، ولا عايزين ايه، مشاوير مرسومه لخطاوينا، نمشينها في غربة ليالينا، يوم تجرحنا، ويوم تفرحنا، واحنا ولا احنا عارفين، ليه! وزي ما جينا، جينا، ومش بايدينا، جينا. زي ما رمشك خد لياليا وحكم وأمر فيها وفيا، ولقيت بيتي بعد الغربة، قلبك دق، وعيونك ليا، ولقيت روحي بأحضان قلبك، بحلم واصحى واعيش على حبك، حتى بعز عذابي بحبك، عارف ليه! من غير ليه، آه يا حبيبي بحبك.

 ثم ذهبت للمنزل الاول الذي عشت فيه في اتستراد المزة، لم اجد احدا من الجيران، وجدت ابن جارنا، ابو وفيق، وقد صار شابا، كان طفلا صغيرا حين كنا نتفنن في ازعاج ابيه ليلا بصوتنا، وحين سألته عن الوالد قال لي انه قد توفي، فاعتذرت له متأخرا عن قلة ذوقنا قبل بضعة عشر عاماً، نزلت الدرج الى البقالات المحاذية فوجدتها ولم اجد سوى بائعين صغار السن اذ توفي البائعان الذان كنت اشتري حاجياتي منهما.

 ذهبت الى مسجد الاكرم المحاذي لمنزلنا في حي المزة، حيث كنا نذهب للدراسة فيه ليلا هرباً من صقيع وبرد المنزل ولجوءاً الى دفء التدفئة المركزية المجانية في المسجد، كنا نسهر فيه للدراسة وطلباً للهدوء والسكينة التي لا نجدها في منزلنا الذي كان مضافة لكل من جاء من الارض المحتلة.

 ذهبت لرؤية كلية الآداب وقسم الفلسفة الذي درست فيه، راودني شعور غريب حين بدات قدماي بالسير داخل حرم الآداب، لم اخش من عدم تعرف اي من الطلبة عليّ، لانني وضعت ذلك نصب عيني مسبقاً، ولكن شعوراً غامضاً بالتفاؤل دفعني للمضي بثقة وبخطىً واثقة، مشيت باتجاه قسم الفلسفة بسرعة، لم افاجأ بالبرود الذي قابلتني به كليتي، هنا التحقت بهذه الكلية عام 1988، وهنا وقفت رافضا الالتحاق بها، وهنا رغبت بالتحويل الى قسم اللغة الانجليزية، وعلى هذه الدرجة المكسورة جلست واصدقائي في قسم الفلسفة نتسامر، وهنا كنا نقف في طابور بإنتظار الدكتور لمناقشة حلقة البحث، سألت عن دكاترتي ليتبين لي ان اربعة منهم قد توفوا بينما انتقل بعضهم للعمل في الخارج وارتقى العديد منهم الى مواقع كبيرة في اماكن أخرى.

 تمشيت في اروقة مبنى الفلسفة، جلست على المقعد الدراسي الذي كنت اجلس عليه، يا إلهي، لم تتغير المقاعد، لكنهم قاموا بطلائها بلون بني غامق جداً، ربما اختاروا هذا اللون لانه لا يساعد الطلبة على كتابة الروشيتات على المقاعد، اقتربت من فتاتين تنتظران المدرس وسالتهن عن المادة التي يدرسونها، فقالت احداهن، انها مادة الابستمولوجيا، آه، لقد توفي مدرس هذه المادة، الدكتور نايف بلوز، وتمت الاستعاضة عنه بمدرس جديد، اشك ان أحداً يستطيع تدريس هذه المادة بنفس المستوى الذي كان يقوم بتقديمه هذا العملاق، استفسرت من ادارة الكلية عن وجود كتاب للخريجين او حفل للتخرج استطيع من ارشيفه الحصول على بعض صور المدرسين او بعضاً من صور فعاليات قسم الفلسفة لعلي أجد صورة للذكرى، لكن أحداً لم يقم بهذه المهمة، يا إلهي ما أصعب البحث في الذاكرة وفي رفوف تملؤها الغبرة وتثقل كاهلها السنين والاعوام.

 اسرعت للبحث عن الدرجة المكسورة على مدخل الكلية، كنا نتواعد على تلك الدرجة المكسورة، كانت عنواناً او علماً من اعلام الكلية، فوجئت، وكنت سعيداً بهذه المفاجأة، حيث وجدت الدرجة المكسورة لا زالت مكسورة!

 جلست على العشب حيث كنا نتفعفل في الربيع الدمشقي ونأكل اللوز الاخضر والسنتروزا او ما يسمونه بالجرنك، هنا كنا نجلس لمسامرة الفتيات والحديث حول مواضيع لا اذكر طبيعتها، لكن لا شك انها مواضيع مراهقة فكرية او حوار حول مسالة فلسفية او ايديولوجية، وكثيراً ما كانت هذه المواضيع تأخذ منحىً بسيطاً، بل ساذجاً، يشبه الحوار الذي يقضيه شباننا وفتياتنا اليوم في الحديث عن آخر رنات الموبايل.

 ذهبت الى كافتيريا كلية الصيدلة، كان مبنى كلية الصيدلة هو المبنى الاكثر حداثة في الجامعة، وقد تم افتتاحه حين كنت في السنة الثالثة من دراستي، وتم افتتاح كافتيريا حديثة هي الاولى من نوعها فيه، حيث كانت الكافتيريات الجامعية عامة في حين كانت هذه الكافتيريا هي الكافتيريا الاولى الخاصة، ونظراً لجودة الخدمة المقدمة فيها، كنا نبرمج جدول دوامنا على طاولة خاصة بنا، حيث نتوزع الدوام عليها بحيث تبقى هذه الطاولة محجوزة لنا نظراً لاكتظاظ كافتيريا الصيدلة بطلبة الجامعة الكثر، وقد رافق افتتاح هذه الكافتيريا نزول اغنية جديدة لماجدة الرومي الى الاسواق، اغنية كلمات، دخلت الى الكافتيريا، واقتربت من الكاونتر لاشتري عصيراً، كانت الكافتيريا غير مكتظة إذ إكتظت الجامعة الآن بالكافتيريات الخاصة، قلت للرجل: لقد كنت أحد رواد هذه الكافتيريا قبل بضعة عشر عاماً، واضفت: كنتم حينها ُتسمعوننا اغنية كانت قد نزلت حديثاً لماجدة الرومي. فقاطعني وقال: كلمات ليست كالكلمات! يا لذاكرة هذا الرجل الذي يذكر تلك الايام، عدت الى مقعدي وغنيت لصاحبي بعضاً من كلمات تلك الاغنية، اغمضت عيني لارى الاصدقاء والصديقات القدامى، اين انتم ايها الاصدقاء، حتى الشمس على غيابكم، بردانه.

 للصلاة في المسجد الاموي نكهة متميزة، سنة وشيعة يصلون في نفس المكان، جو من المشاعر الدينية الخالصة يحيط بالمكان، لا سياسة ولا تحريض، بل عبادة خالصة لله وحده، فيها ينعم الانسان بالراحة النفسية والتطهر من الخطايا وتسمو روحه في ملكوت الله. لا زال متحف العظم شاهدا على حقبة تاريخية من العصر العثماني، تمكن الاشقاء السوريون من مزج الاصالة بالمعاصرة، حيث يتم تنظيم الكثير من الفعاليات والامسيات الفنية والتراثية والثقافية في هذا القصر، وتكللت الزيارة للبلدة القديمة بالتعرف على خان اسعد باشا الذي يتجاوز عمره الاربعمائة عام وهو تحفة معمارية تفوق في دقتها وروعتها وجمالها اي معلم تاريخي آخر. بل يشبه في تصميمه وفن عمارته قصر الحمراء في الاندلس، كيف لا وقد بنى بنو أمية الاندلس وجميع قصورها!

 ذهبنا الى سوق الحميدية للاستمتاع بمشاهدة الحياة التي لا تتوقف في هذا السوق، ثم مررنا بمحل بكداش للبوظة الشامية الاصيلة التي يعجنها العامل بالمطرقة لتصبح اكثر لذة وصلابة، التهمت ما استطعت منها، كم انا في شوق اليك يا شام! ثم انطلقنا الى مقهى النوفرة حيث يجلس الراوي ليروي قصة ابو زيد الهلالي والامراء المماليك وتغريبة بني هلال وعنتره وعبلة وقيس وليلى وغيرها من الحكايا الشعبية، بينما يصغي الجالسون لقصصه الشيقة ومنهم من لا يفهم اللغة العربية لكنه معجب بهذا الاسلوب في التسلية والترفيه، يستعمل الراوي لغة الجسد، إذ يرتفع صوته وينخفض تبعاً للحاجة، بينما يضرب بالسيف على المنضدة (السكملة) كلما اقتضت الحاجة اظهار شجاعة عنترة او بأسه وقوته مما يجذب انتباه المشاهدين وُيبقي ابصارهم معلقة بالراوي ويزيد من توترهم وخوفهم على عنترة.

 يستوقفك على قارعة الطريق في البلدة القديمة من دمشق باعة شراب الرمان وشراب الجلاب وشراب التوت الشامي الطازج وغيرها من المشروبات الشامية اللذيذة، لا تمل من شرب هذه العصائر، بل تشعر بالانتعاش واللذة حين ترى البائع يعصرها امامك طازجة نظيفة نقية من المواد الحافظة والملونة، تتذوقها كما هي، دون رتوش او اضافات، تماماً على طبيعتها وبساطتها، دون تعقيد اولئك المتفرنجين.

 الباعة المتجولون متخصصون باقناعك بشراء ما لا ترغب بشرائه، التسويق حرفة شامية، وهذه كلمة تستحق الوقوف عندها، ولا أبالغ ان قلت ان طلاب أقسام التسويق في جامعاتنا يجب ان يذهبوا الى تلك الاسواق الشامية والحلبية ليتعلموا من تجارها فنون الاقناع والتسويق والدعاية، اعجبني طفل سوري لا يتجاوز الرابعة عشرة من العمر حين حاول اقناعي بشراء وشاح من الحرير، حيث اخرج من جيبة قداحة وأحرق جزءاً من الوشاح لإقناعي بأن الحرير لا يحترق الا اذا كان مغشوشاً، كما قام بتقديم المزيد من الشرح الذي اظهر جهلي الكبير في شؤون الحرير، لم استغرب وانا اخرج من عنده بعد عدة دقائق وقد اشتريت عدة قطع حريرية. ولم أعرف حقاً إن كان الحرير يحترق أم لا..، وتتميز الاسواق الدمشقية والحلبية بالتخصص الذي يؤدي الى الابداع، حيث يتخصص كل سوق بمهنة او حرفة معينة، ولا يشارك اهل هذه المهنة غيرهم من اصحاب المهن الاخرى، فإن دخلت سوقاً خاصاً بالملبوسات لا تجد بائع أحذية في هذا الفرع من السوق، وكذلك حين تدخل سوقاً خاصاً بالعطارة او اللحوم.

 ذهبت الى مقهى العابد حيث يجلس الفنانون السوريون، قال لي أحدهم: يمكنك ان تجد بعض الفنانين مساءاً، لكنني ذهبت بعد العشاء، وهو وقت مبكر نسبياً، كان المقهى مكتطاَ، تعرفت على وجه احد الممثلين وذهبت اليه، القيت بالتحية فبادلني بأحسن منها، بل رحب بالتقاط صورة تذكارية معه، قيل لي ان الفنان رفيق السبيعي والفنان جمال سليمان وبسام كوسا وغيرهم يأتون الى هذا المقهى بشكل شبه يومي، وحين سألت عن ترحيبهم بالمعجبين اجابني شاب صغير: هؤلاء فنانون حقيقيون يحترمون معجبيهم ويتشرفون بالتقاط الصور معهم وليسوا فنانين مزورين يتهربون من المعجبين، أعجبني جوابه القوي وهو الشاب اليافع الذي تمتع بهذه الثقة العالية بفناني بلده، التقينا بفنانين متواضعي الشهرة ولكن وجوههم معروفة لمشاهدي الشاشة الصغيرة السورية وقمنا بمغادرة المقهى بعد الحديث مع الممثل السوري نضال نجم عن الاوضاع في مدينة نابلس والذي فاجأني بمعرفته بتفاصيل أخبارنا وقضايا حياتنا اليومية.

 تتميز المرأة السورية بقدرتها على التكيف مع شظف الحياة وصعوبتها، من الطبيعي ان رؤية سيدة تركب خلف زوجها على الدراجه الهوائية، وتراها في حالات اخرى تركب خلفه على الطرطيرة، وهي عربة تشبه الموتورسيكل، ومن الطبيعي ان تراها تركب المواصلات العامة المكتظة بالركاب، كما انها تتحمل ما لا تحتمله المرأة في الغرب أو الشرق من متاعب ومصاعب حياتية، هي إمرأة مكافحة مناضلة في سبيل حقها في الحياة والحرية، وقد ضمنت لها التشريعات ذلك كما ضمنت لها ثقافة البلد ذلك ايضاً.

 استذكرت روايات حنا مينا وكلمات نزار قباني عن ياسمين الشام وكلماته في الحب: كلماتنا في الحب تقتل حبنا، ان الحروف تموت حين ُتقال، وحين قال ايضا: لا زلتَ تسألني عن عيد ميلادي! سجل لديك اذا ما انت تجهله: تاريخ حبكَ لي تاريخُ ميلادي.

 فتيات دمشق وحلب وسوريا بشكل عام يتمتعن بعاطفة قوية وانوثة وحيوية وعفوية بريئة، ما اجملك يا حلب والله يعمرك يا شام. هذه الانوثة المتجسدة في كلمات عذبة: تقبر عضامي، ِتشُكل آسي، ِتطلع على قبري، ابن عمي، تكفنني، وغيرها من المفردات العذبة التي تروض الرجل وتحوله من حصان جامح الى حمل وديع وتؤكد على أنوثة وعذوبة المرأة، وتدفع الرجل لبذل المزيد من الجهد لفهمها واحترامها أكثر وأكثر، كما تدفعه لتلبية جميع رغباتها، بل تستحق هذه المرأة تكريس الحياة لها، بل والموت في سبيل اطاعتها وارضائها، يستمتع الرجل بعبوديته لنوع محدد من النساء، خاصة تلك التي تنتشله من اسى الرتابة وتعيد له جموحة وصهيله وتتركه معلقاً على حبل من الاسئلة وتثير لديه التساؤلات العديدة حول الحياة والمستقبل.

 في جامعة دمشق، فتيات جميلات ذوات روح حلوة، ذكرنني بالسنوات التي قضيتها بالتشاتينج معهن على العشب، الفتيات يلبسن على الموضة، ويتسكعن بتألق شديد، ويقتلن بنظراتهن كل ذي قلب حزين، يتفنّن في اظهار انوثتهن، يعرفن كيف يلبسن ملابسهن التي وان كانت متواضعة في كثير من الاحيان إلا انها جميلة وزاهية الالوان، وعلى الرغم من حجاب العديد منهن، الا ان حجابهن لا يعيقهن عن الاندماج القوي في الحياة الجامعية والاجتماعية وطقوسها. ويرافق هذا الجمال ثقافة لا باس بها، وتعليم عالٍ، كيف لا وقد وفرت الدولة التعليم شبه المجاني للمواطن منذ دخوله المدرسة وحتى حصوله على شهادة الماجستير والدكتوراه! فلا حاجة لدفع الاقساط الجامعية، فالدولة مسؤولة عن تعليم مواطنيها.

 قد يعتاد المرؤ سيكولوجيا على المشي في الشوارع على السليقة التي اعتاد عليها، وحين يتم تغيير اتجاه السير يستمر المرؤ في السير على سليقتة، وهذا ما كان يفاجئني ويستوقفني اثناء سيري في شوارع دمشق، حيث كنت اتوقف لاسترجع التغير في جغرافية المكان واستذكار النموذج السابق، من هنا كنا نقطع الشارع، وهنا كان يتواجد بائع للكاسيتات والصحف، ومن هنا كنا نعبر النفق المؤدي للشارع الآخر، ومما استغربته تذكري لارقام هواتف الاصدقاء الذين كانوا يعيشون معنا في دمشق. ذهبوا وانتشروا في صحارى هذا العالم العربي من صحراء المغرب العربي الى السودان والخليج، حلّ محلهم قادمون ًجدد لا نعرفهم ولا يعرفوننا. سكنوا البيوت التي سكنناها، وأصبحنا نحن الغرباء!

 ذهبنا الى حمام نور الدين زنكي، هذا الحمام الذي يذهب إليه كل زائر او مقيم في دمشق للاستمتاع بالاسترخاء على بلاطه الدافيء في ليالي الشتاء الباردة، كان زملائي الاكبر مني سني يقولون لي: يجب ان ندعوا كل قادم جديد من الارض المحتلة للتعمد في هذا الحمام، ومن يومها اتبعناها طقساً من الطقوس وكنت ادعوا كل من يأتي من الوطن للاستمتاع بدفء مياه هذا الحمام الذي يقوم فيه احدهم بتلييف ظهورنا ويسمونه بالمكيّس ثم يتبعة المساج الذي يستغرق وقتاً كافياً يقوم فيه من يسمونه بالمسّاج بتدليك الجسد من اصابع القدمين وحتى فروة الراس. نقوم اثناء ذلك بالغناء ثم نخرج من الحمام الى القاعة الخارجية لتناول العشاء والزهورات ويدخن من شاء النرجيلة ويستمع الجميع الى القدود الحلبية بصوت صباح فخري.

 سرنا في باب سريجه وشاهدنا المواطنين منقضّين على محل حلويات المعجوقة والمدلوقة والحلاوة الحمصية المحشوة بالقشطة، تناولناها او بالاحرى التهمناها بسرعة وما إن غادرنا المحل حتى شاهدنا محلاً شهياً لما يسمونه في الشام بالمقادم، لم أجرب أن آكل هذه الوجبة الا نادراً، لكننا تحمسنا ودخلنا المطعم ولم نندم، بل كنا سنندم لو لم ندخل. مشهد الزيتون الشامي ُيشهي النفس ويفطر قلوب الصائمين والمفطرين ويغذي عيون المتسوقين، وكذلك مشهد المخللات التي قام البائع برسم لوحة فسيفسائية بها.

 ذهبت الى منزلي في الفيلات الغربية، بحثت عنه حتى وجدته، في هذا المنزل، كنا نضع المسجلة على البرندة ونستمع لعبد الحليم ينادي: تعالى، تعالى، تعالى، وإن مقدرتش تيجي تاني ونسيت زماني ونسيت مكاني، ابقى حاول تفتكرني، الله الله الله. الا ليت الشباب يعود يوماً.

 هنا، في هذا المنزل، استمعت لاجمل اغاني صباح فخري وعلى رأسها: يا مال الشام ويلا يا مالي، طال المطال يا حلوة تعالي، يا مال الشام على بالي هواكي، احلى زمان قضيته معاكي، ودعتيني وعاهدتيني لا تنسيني ولا انساكي.

 دماثة الخلق تميز كل من تعرفناعليهم من ابناء وبنات هذا القطر العربي الشقيق، لطافتهم ولهجتهن اغرقتنا في نعيم مقيم، قالت لي احداهن ذات يوم: لماذا لا يستطيع الشبان غير السوريون الصمت امام جمال الفتاة السورية! قلت لها: تتميز المرأة السورية بقدرات تجعلنا اسرى لها وللهجتها التي لا تقاوم، فقالت لي: كثيرون من غير السوريين يتقدمون لخطبة الفتيات السوريات بسبب قوة الميديا السورية في خلق صورة رومانسية وقوية عن المرأة السورية، فقلت لها: انا ايضا ضحية لهذه الفكرة، حيث انتظرت كثيرا حتى أصبحت في الخامسة والثلاثين قبل ان أقدم على الزواج وذلك لرغبتي بالعيش على الامل بإمكانية الزواج بشامية، وعلى راي المثل: اللي ما بتجوز شامية ما بعيش عيشة هنية.

 مدينة حلب مدينة كبيرة، يصعب التعرف على معالمها في عدة ايام، وتحتاج الى اسابيع ليتمكن الزائر من الوصول الى حالة الاشباع منها، لن تصل الى الاشباع يوما في سوريا، إذ ان كل زيارة لكل موقع تزيد من رغبتك بالبقاء اكثر، لا ارغب بالعودة، ارغب بالبقاء هنا.

 كانت الامسية الفنية التي تمت دعوتنا للمشاركة فيها رومانسية نوعا ما، تم تنظيمها في مكان عتيق، كان حماما تركيا، كل شيء كان تراثياً قديماً عتيقاً، الأغاني والقدود الحلبية لها نكهة ومذاق خاص حين ُتغنى في حلب وبصوت حلبي، ان تسكر دون خمر، ان تنتشي بنشوة الموسيقى والصوت الحلبي الاصيل وهو يشدو بخمرة الحب اسقينيها همّ قلبي تنسينيه، عيشة لا حب فيها، جدول لا ماء فيه، ثم يصيح بصوته الشجي قائلاً: كنا سته عالنبعة، اجا المحبوب صرنا سبعة، وفوق النخل فوق، وقلبي ملوع يا وعدي، بده طبيب يداويني، دوى الطبيب ما بنفعني، شوفة حبيبي بتكفيني، قدك المياس يا عمري، ويا طيره طيري يا حمامه، واختتمها ب طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحب وظلم الحب لكل اصحابه، والعاشقين دابو، ما تابو، طول عمري بقول: لا انا قد الشوق، وليالي الشوق، ولا قلبي قد عذابه، وقابلتك انت، لقيتك بتغير كل حياتي، معرفش ازاي انا حبيتك، معرفش ازاي يا حياتي، من نظرة حب لقيتني بحب، لقيتني بحب وادوب بالحب. ثم يكمل بصوته الحزين الذي ادمى قلوب المشاركين بالسهرة: فات من عمري كتير، شفت كتير وقليل عاشقين، اللي بيشكي حاله لحاله، واللي بيبكي على مواله، اهل الحب صحيح مساكين، ياما عيون شاغلوني، لكن ولا شغلوني، الا عيونك انت، دول بس اللي خدوني خدوني، وبحبك امروني، امروني احب لقيتني بحب، لقيتني بحب وادوب بالحب، ادوب بالحب وصبح وليل، وليل على باله.

 ذهبت الى حي البرامكة في دمشق حيث عشت فترة لا باس بها، كانت الجامعة الرئيسية في ذلك الحي وتنتشر فيها الكافتيريات التي كنا نسميها ب "سناكات البرامكة، بحثت عن سناك نورا الذي كنا نتواعد فيه، وجدت بضعة عشر محلا قد تم تحويلهم الى مقاهي انترنت، هرولت باتجاه سناك نورا، لم اجده ولكنني تعرفت عليه من الشجرة الكبيرة التي كنا نقف تحتها امام السناك. وتذكرت حين وقفت امامها وحين اسندت يدها عليها ذات يوم واجهشت بالبكاء، التقينا تحت تلك الشجرة الكبيرة وارفة الظلال، وكان اللقاء الاول بيننا، واصبحت ُحلم الطفولة، جميل ان نمتلك الاشياء الجميلة، ولكن الاجمل أن ندعها حرة طليقةً، لماذا يسيطر علينا نحن الرجال حلم التملك والاستحواذ عندما نعشق إمرأة جميلة! لماذا لا نستطيع ان نثبت لأنفسنا أن حبنا لها يكون أكبر حين ندعها طليقةً حرة من تفاهاتنا وأنانيتنا!

 دمشق، وهبتها عمري، وضاع عندها العمر، وحين ودعتها، ودعت مرحلة لا تتكرر من حياتي، ونذرت ما تبقى من عمر للذكرى، وقد يكون ذلك قرباناً كبيراً، ولكن القرابين لا ُتقدم إلا الى الآلهة، لا يهمني أن أموت، ولكن يهمني أن يحيا الحب بعد أن تكفّل القدر بالتفريق بيننا للأبد. الى أين أعود الآن، البيت أكثر برداً من أن أعود إليه، إنني أفضل من يخسر دائماً.

 حلب، 15 تشرين الثاني 2006  

 

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) lina
i've read what u wrote..its really amaizing,we share that gift..that special talent..which is the ability of expressing our feelings in our own words..and beleive me alot of people cant be expressive even in the most simple things in life..they can't bring u a full meaning sentence..and its really hard to communicate with others when u have such brain..thats why, its hard to figure those people out..

2) نسرين
لك يسلم تمك ع الكلام الحلو عنجد انت مبدع واهل سوريا كلياتهم بيحبو اهل فلسطييييييييييييين اي والله والله فلسطين بقلوبنا وبنحبها كتتتتتتير