واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
بين الماضي والحاضر

تم النشر أول مرة بتاريخ03/02/2005 16:08:00

عادت مفعمة بالامل بعد التقائها بالاطباء الاسرائيليين في مدينة القدس الغربية، قالت لي ووجها ممتلىء بالفرح والابتسام: اشعر انني قد ُرزقت بطفل من جديد، قالت ذلك بعد ان كانت قد اصطحبت ابنها في رحلة هي الاولى من نوعها الى مستشفىً اسرائيلي لاجراء بعض الفحوصات الطبية للتعرف على مستوى انتشار ذلك المرض الخبيث في رأسه، قال لها الاطباء الاسرائيليون ان طفلها سيعيش، ثم التقت بمشرفة اجتماعية طبية قامت بالحديث اليها حول اساليب التعايش والتكيف مع المرض، شعرت بالراحة اثناء حديثهم اليها باللغه العربية الركيكة، قالت لي: لقد شعر طفلي بالفارق الكبير بين الرعاية الطبية التي يحصل عليها في مدينة نابلس وتلك التي حصل عليها في المستشفيات الاسرائيلية، حيث تتوافر بكثرة اماكن الترفيه واللعب للاطفال في المستشفيات الاسرائيلية، لم يتوقف ابنها ذو الاعوام الستة عن الحديث عن قاعة الالعاب التي استمتع باللعب فيها لساعات قليلة في مستشفى هداساً بينما كان ابواه يتابعان بعض الامور الادارية الخاصة بحالته الصحية، وبينما كانت والدته تحدثني عن تلك الساعات القليلة التي امضتها برفقة زوجها وابنها في مستشفى هداسا، اندفع نحوي ابنها قائلاً لقد كنا نتنقل بالسيارة بين اقسام المستشفى، انها مستشفىً كبيرة جداً، كان كمن يتحدث بزهو وافتخار لوجوده في تلك المستشفى التي ردت اليه ولأهله الروح بعد شهرين من المعاناة النفسية والعصبية المستمرة في معايشة المرض.

 

عادت الى نابلس لتتحدث لساعات تفوق في مدتها الساعات التي قضتها في القدس وفي المستشفى، كانت تلك الفرصة الاولى التي  تخرج فيها من نابلس، يا لهذا الشعب المسكين الذي ُحرم رفاهية الحياة ومتعتها، انه شعب قادر على الاستمتاع بالقدر اليسير من المتعة التي يمكن توافرها حتى في لحظات البؤس والشدة.

 

قالت لي: لا يمكن ان اصدق ان الاسرائيليين سينسحبون يوماً من فلسطين، لقد رأيت أبنية وعمارات شاهقة، شاهدت شوارع كبيرة ومدننا مكتظة بالاسرائيليين، كانت هذه الزيارة بمثابة الزيارة التاريخية لأمرأة فلسطينية في العقد الرابع من العمر، أمرأة بسيطة تتلخص اهتماماتها برعاية اطفالها وأداء واجبها في التعليم في احدى مدارس وكالة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، لكن هذه الزيارة اتسمت بقدرتها على التأثير السيكولوجي في القرار السياسي الذي آمنت به هذه المرأة التي لا هم لها سوى شفاء طفلها من مرضه الخبيث الذي حول حياتها الى جحيم. تساءَلَت عن قيمة الحياة، وتحدثت عن جدوى استمرار الصراع بين الشعبين، لماذا لا نعيش سوية في دولة واحدة؟ ولماذا لا يتوقف هذا الشلال الاحمر من الدماء المراقة من الطرفين!

 

اثرت هذا الحوار مع زميلتي في العمل بينما كنا نتحدث عن جذور الصراع العربي الاسرائيلي ونضال الشعب الفلسطيني خلال الثمانين عاما الماضية، تحدثنا عن التطور الطبي الذي تتمتع به المستشفيات الاسرائيلية كما تحدثنا عن اساليب الرقي التقني والعمراني والثقافي في المجتمع الاسرائيلي، لكننا فوجئنا اننا نبتعد عن الدقة والموضوعية بينما نغرق في السطحيات والقشور والمظاهر المزيفة التي تعبر عن عدم انتماء هذا الشعب الاسرائيلي الى هذه الارض التي احتلها عنوة وظلماً، تساءلت وزميلتي، ُترى على اي أرض تم بناء هذه المستشفى الاسرائيلية الكبيرة؟ هل هي ارض قرية دير ياسين ام غيرها من القرى؟ لم نجد الجواب، بل تركنا الباب مفتوحاً على غيره من الاحتمالات، إذ تكتظ الذاكرة بأسماءٍ لمئات القرى المهجرة التي يعيش ابناؤها في مخيمات الشتات فيما تبقى من شظايا الوطن.

 

تحدثت مع والدي حول الخدمات الطبية الجليلة التي يقدمها مستشفى هداسا للمواطنين الفلسطينيين بالمجان، لم تعجبه كلمة (بالمجان)، بل غضب منها وانكر استعمالها قائلاً: إن كنت لا تعلم فإنني ارغب بإعلامك ان هذه المستشفى كانت قد ُبنيت على اراض فلسطينية تابعة لقرية جميلة اسمها عين كارم، وهي قرية من قرى القدس، ولم يكن فيها يهودي واحد، بل تم الحصول على ارضها بالقوة والعنف والقهر، ومهما قامت اسرائيل بتقديمه من خدمات طبية فإنه لا يعدل شيئاً امام حجم الاراضي التي تمت سرقتها منا في عام 1948 وما قبله.

 

لم استطع العثور على اجابة لردم الهوة بين وجهة نظر شقيقتي التي انبهرت بالخدمات الطبية التي قدمتها مستشفى هداسا لابنها وبين وجهة نظر والدي الذي لم ولن يستطيع ان يمحو ذكرى الهجرة من وعية وثقافته، لكنني لم احتج الى الكثير من الوقت لاقفز في الذاكرة الى صديقة امريكية قدمت لزيارتنا قبل سنيتين حين أعددت نشاطاً دولياً لمجموعة من الشبان الغربيين الراغبين بالتعرف على ظروف الحياة الفلسطينية، كانت أروى فتاة امريكية من أصل فلسطيني، هاجر والدها من فلسطين عام 1948 بعد احداث التهجير التي تعرضت لها قريته، هاجر الى الولايات المتحدة الامريكية ولم يعد منها لزيارة الوطن منذ ذلك الحين، مثله كمثل مئات الآلاف من الفلسطينيين الذن فقدو قراهم ومدنهم يوم الرحيل. تحدثت أروى عن رغبتها في البحث عن قرية والدها، وقمت بترتيب شؤون السفر الى هذه القرية حتى تتمكن من رؤيتها وتصويرها واخذ هذه الصور الى والدها الذي يحن الى رؤية قريته حنين الحمام، هذه القرية التي ُحرم منها عشرات السنين، قال لها: حاولي البحث عن قناة مياه جارية في قريتنا، يجب ان تجديها، كنا نذهب للّعب عندها حين كنا صبية صغاراً، دخلت أروى قريتها، لم تستطع التخلي عن الصور المسبقة التي رسمها والدها في مخيلتها عن القرية، لم تجد الاشجار الباسقة التي تحدث عنها ولا البيوت الفلاحية التقليدية، لم تشم رائحة خبز الطابون وهي تسير في شوارع القرية، لا ولا شاهدت الفلاحين في طريق عودتهم من موسم الحصاد ينشدون اناشيدهم التراثية، بحثت أروى عن عين الماء ووجدتها بعد طول عناء، قامت بملىء زجاجة بماء العين لتأخذها الى ابيها في نيوجيرسي، حافظت أروى على هذه الزجاجة حفاظ حجاج بيت الله الحرام على زجاجتهم من ماء زمزم، حيث سيستمتع والدها بشربها وبغسل وجهة بها، كيف لا وهي مياه قريته، قرية عين كارم وليس هداسا عين كارم.



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) سكينة
اعجبني جدا شكرا