واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
اللهم دعني اموت شابا

تم النشر أول مرة بتاريخ05/02/2005 01:26:00

توجهت في سيارة الاجرة الصفراء المتوجهة من مجمع الكراجات وسط مدينة دمشق متجها الى مدينة عمان، كانت الاسابيع الاخيرة قبل الاجازة صعبة وقاسية، كم انتظرت تلك اللحظة التي انهي فيها الامتحانات الفصلية لاتوجه الى الاردن حيث اقضي اجازتي الصيفية او جزءً منها بصحبة جدي وجدتي. كان بيتهما متواضعاً جداً، بل الاحرى انهما كانا يسكنان مدخلا لعمارة كبيرة اختاراه ملجأً لهما في منفاهما الاختياري الذي فضلا العيش فيه منذ عشرات السنين. كنت في العشرين من عمري بينما كان جدي في التسعين من عمره وجدتي في السبعينات من عمرها، كانت جدتي سيدة اجتماعية بارعة في اقامة العلاقات مع جيرانها، عاشت حياة طويلة من الفقر والمعاناة في سبيل غدٍ افضل طالما انتظرته ولم يأت.

 

تميزت ايامي في ضيافة جدي وجدتي بالبطء الشديد، كانو يستيقظون في الصباح الباكر لاداء صلاة الفجر، كنا ننام في غرفة واحدة، إذ كانت هذه الغرفة هي غرفة النوم والصالون وغرفة إستقبال الضيوف ايضاً، كان البيت مكوناً من غرفة واحدة فقط، لذلك كنت استيقظ على اصواتهم يؤدون صلاة الفجر، كانت جدتي تقضي ساعة او اكثر في أداء صلاة الفجر، حيث ترافق اداؤها للصلاة بسلسلة طويلة من الادعية والايات التي كررتها سنواتٍ طويلة، لم تكن تنسى الدعاء لجميع افراد الاسرة في عمان واربد والسعودية ونابلس، كانت تحافظ على نظافة وترتيب بيتها المتواضع بشدة كبيرة، كانت توقظني في الصباح الباكر لانهض وارتب مكان نومي قبل ان يأتي أحد من جيرانها لزيارتها، كان جدي يتجه الى عمله مع ساعات الفجر الاولى، إذ كان يعمل بستانياً في أحد المنازل التي تعود لاحد الاثرياء، وليعود عصراً، ينام قليلاً، ثم ينهض لمتابعة المسلسل التلفزيوني الاردني اليومي بينما يستمتع بتدخين ارجيلته اليومية، كان يضع كمية من التبغ الى جانبه ليقوم بتجديد الارجيلة كلما انتهت، وكلما قلت له ان ذلك يضر بصحته، قال لي ان التبغ الذي يستعمله غير مضرٍ، بل على العكس، انه مفيد جداً للصحة، ويدخل معي في تفاصيل الموضوع ليشرح لي ان التبغ انواع متعددة، بعضه خالٍ من الشوائب وبعضه الاخر مغشوش، اما هو – جدي- فإنه يجلب هذا التبغ معه من السعودية كلما ذهب في رحلة لاداء فريضة العمرة او كلما عاد احدهم من هناك محملاً ببعض التبغ له، كان يخبىء التبغ في خزانته الخاصة، ولا يسمح لجدتي بالتدخل في هذا الموضوع، وكثيراً ما شاهدتهم يتخاصمان ويتجادلان حول التبغ والدخان دون جدوى، كان يأخذ علبة التبغ القديمة خاصته ويجلس على الدرج ليقوم بلف سيجارته بحرفية ومهارة، يبلها ببعض من ماء ريقه بطرف لسانه بينما يتحدث لي عن الانجليز وقصصهم في فلسطين، كان قليل الكلام، لكنه كان يقول لي دوماً: قضيتنا لم يكن لها ان تصل الى ما وصلت اليه لولا وجود الانجليز في فلسطين، إنني اعرفهم جيداً، لقد عملت لديهم في مصفاة البترول في حيفا، كان الفقر منتشراً آنذاك، لذلك سافرت الى حيفا للعمل في المصفاة، سافرت ماشياً، ليس ذلك فحسب، بل حملت معي والدتي المريضة نظراً لعدم وجود من يعتني بها، وبينما كنا نسير مشياً على الاقدام، ماتت والدتي، دفنتها في احد التلال التي لا اذكر مكانها الآن، ويكمل جدي حديثه حول مواضيع اخرى وقعت في نابلس قبل سنوات قليلة، كان سريعا في استحضار التاريخ، لكنه كان يمزج قصصا من ايام الانجليز مع قصص الاحتلال الاسرائيلي.

 

كان لوجودي الى جانبهم في اجازتي الصيفية اهمية كبيرة بالنسبة الى كل منهما، كانو يبذلون قصارى جهدهم لارضائي وتقديم كل ما يملكون من حلوى لتشجيعي على البقاء عندهم، عاملوني معاملة الطفل الصغير، لم ينتبه أي منهم انني في العشرين من عمري، بل كانو ينتظرونني على درج بيتهما حين كنت أتأخر في العودة، كانت جدتي ترسل لي الرسائل التي تعبر عن شعورها بالفراغ والوحدة بعد سفري لاستئناف دراستي بعد انتهاء الاجازة، كان لوجودي الى جوارهما دوراً كبيراً في كسر روتين حياتهم البطيئة.

 

رغم بعده عن مدينة نابلس لاكثر من خمسة وعشرين عاماً، إلا ان نابلس كانت دوماً محور حياته وتفكيره وعلاقاته، كان رجلأ مشدوداً الى الماضي، حدثني كثيراً عن مدينة نابلس اثناء عمله في بلديتها في الثلاثينات والاربعينات حين كان يعمل ليلاً في إضاءة المصابيح الزيتية الموجودة في زوايا البلدة القديمة وازقتها وشوارعها الضيقة والمخيفة ليلاً، حدثني عن قصص كثيرة عن اشخاص كان الناس يخافونهم في تلك الازمنة، لم افهم فعلاً ان كان يقصد انهم كانو من الجن ام لصوصاً انتحلو صفات الجن لارهاب الناس واخافتهم وسرقتهم.

 

لم ابك في غربتي كما بكيت وانا في ضيافتهم، كنت اتساءل: ُترى هل سأعيش لاصبح في عمرهم؟ وهل سأصبح عاجزاً عن التكيف مع المستجدات الاجتماعية والثقافية والتقنية! هل سأصبح منتهياً الصلاحية! اسئلة كثيرة كانت تجتاحني فلا اجد جواباً لها سوى وضع رأسي تحت الوسادة والبكاء بصمت، كانو يعيشون ولا يعيشون، كان الموت رفيقهم في السكن، كان كل منهم يخبرالاخر عن كل الاشياء الصغيرة خوفاً من ان يأتي اجله دون ان يكون قد اخبر الطرف الآخر عن المكان الذي وضع فيه شيئاً ما، كانو كمن يتوقعون الموت كل لحظة، وان عاشو ذلك اليوم فقد كان يوماً آخر وهبهم الله اياه، فالشكر له على هذه النعمة، لكنهم كانو يسألونه ان يأخذهم الى جواره قبل ان يفقدو القدرة على الحركة، كم كانت خشيتهم كبيرة من المرض، وكم كان خوفهم شديداً من ان ُيقعدهم المرض عن الحركة.

 

وحتى لا ُيقعدهم المرض، كانو في غاية النشاط، كانت جدتي تقوم بتنظيف بيتها يومياً، بينما كان جدي يقوم بعمله رغم انحناء ظهره، كانت ارادة الحياة قوية لديهما، كانت جدتي تحب التجول في الاسواق والاستمتاع بالتسوق كما كانت تستمتع بالنزهات العائلية التي كنا نقوم بها صيفاً حين عودة المغتربين من الخليج وحين يلتئم شمل الاسرة.

 

كانت جدتي صاحبة شخصية قوية، كانت بمثابة الجذر الراسخ والضارب لاعماقه في التاريخ النابلسي، كانت صاحبة لهجة نابلسية قوية، وعاداتها نابلسية جداً، لم تستطع ولم ترغب يوما ان تتخلص من لهجتها التي كانت بمثابة هويتها وتاريخها الذي كانت دوماً فخورة به.

 

مضت السنين، وعدت للوطن، وُحرمت من العودة الى الاردن وزيارة جدتي وجدي، لكن صور الذكريات بقيت محفورة في اعماقي، لم انس يوماً تلك المعاناة التي يعانونها في شيخوختهم، لم استطع احتمال وجودهم وحدهم دون ونيس او ابن او حفيد الى جانبهم في برد الغربة وصقيع الوحدة، وفي يوم من تلك الايام، فوجئنا بعودة جدي وجدتي الى مدينة نابلس بشكل مفاجىء، كانت جدتي على فراش الموت، نظرت اليها، كانت عيونها مليئة بالامل كمن يقول لي: لا تخف، سنلتقي يوماً، كانت عيونها كما كانت دوماً مليئة بالحكمة والشموخ، لم استطع يوم وفاتها الاعتراف بهذه الحقيقة، لم اذهب الى جنازتها، لم اصدق انها ستموت يوماً، كانت شامخة شموخ جبال نابلس، تذكرت في تلك اللحظة كلمة قالها الروائي الروسي ديستويفسكي في رواية الاخوة كارامازوف حين قال: لا يصبح الشاب رجلأ إلا حين يموت ابوه، شعرت يومها بفقدان الأصل الذي انا فرعه وجذر الشجرة الذي كنت غصنه، وما هي الا ايام حتى توفي جدي، يا لها من مصادفة، لا، ليست مصادفة، بل هو الحنين الى الطرف الاخر، لم يجد الاطباء سببا مباشراً او مرضاً عضوياً في جسده، لم يستطع الاستمرار في الحياة بعد وفاة نصفه الاخر، وانتقل جدي وجدتي الى جوار ربهما بعد ايام من عودتهما الى المدينة التي عاشا فيها دهراً، عادا الى المدينة التي بقيت ملتصقة في قلوبهم طيلة غربتهم، لكنه حنين المرء الى صباه وذكريات شبابه، انها مدينة نابلس التي تحفر فينا حبها الازلي، ورغم قسوتها علينا احيانا، الا ان عشقها اصبح قدراً، والموت فيها طمأنينة وأمان، وفيها آمل ان يرقد هذا الجسد بهدوء وسكينة يوماً ما، لا اريد الموت في الغربة واخشى ان اسير في غربتي وحدي بعيداً، لا، لا اريد المغادرة وسأبقى هنا، لكنني لا ارغب ان احيا كثيراً، لا اريد المرور بنفس تجربة جدي وجدتي، فاللهم دعني اموت شاباً، ولكن في وقت متأخر قدر الامكان.



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين