واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
ادبيات نابلسية
"أوراق من يوميات على حاجز" قصة قصيرة تركت ظلالا في مسابقة أدبية في الإمارات

تم النشر أول مرة بتاريخ21/05/2009 14:06:00

أمين أبو وردة-نابلس
كانت تساؤلات الحضور في المسابقة الأدبية, التي أقيمت مؤخرا في إحدى الجامعات الإماراتية صوب نهى غنام ( 21 عاما) الطالبة في جامعة النجاح بنابلس حول قصتها القصيرة التي جملت عنوان" أوراق من يوميات على حاجز" هل هي من وحي الخيال أو واقعية, بسبب الانفعال الذي تركته في مشاعرهم.كانت غنام صريحة أما الحضور الذين مثلوا 18 دولة عربية في مسابقة أدبية بأن ما روته نقطة في بحر العذاب الفلسطيني اليومي على الحواجز, والتي تعيشه هي شخصيا, كونها طالبة في قسم الصحافة من بلدة جبع قضاء جنين تضطر مرتين في الأسبوع التوجه إلى نابلس مطلع كل الأسبوع, والعودة إلى بلدتها لقضاء العطلة الأسبوعية.وتشير إلى أن الحضور فور سماعهم القصة القصيرة. قالوا أنها ستفوز بالمسابقة كونها مؤثرة للغاية, مستطردة بان ذلك يكشف ضعف التغطية الإعلامية للمعاناة اليومية على الحواجز الإسرائيلية, والتي تقتصر على عرض تلك الحواجز وتصويرها, دون الدخول في تفاصيل ما يجري عليها.وتقول غنام أنها اعتادت الكتابة منذ صغرها في إطار مذكراتها الشخصية ولكنها توقفت فترة عن الكتابة ولدى انتقالها للجامعة فكرت العودة للكتابة, فوجدت أن ما تلاقيه وتشاهده على حاجز بيت ايبا الواقع بين جنين ونابلس سيكون الأكثر حظا في الكتابة.وتستذكر يوما في الأشهر الأولى للانتفاضة تم احتجازها مع آخرين 12 ساعة بسبب سلوكها طريقا موازيا للحاجز.وتتابع أن عشرات الحاضرين طلبوا خلال فترات الاستراحة مزيدا من التفصيل لما يتعرض له الإنسان الفلسطيني على الحواجز وبخاصة النساء وكيف المسافة القصيرة بين بلدة وأخرى تصبح مضاعفة.
وفيما يلي العرض الكامل للقصة القصيرة والتي فازت بها نهى غنام بالجائزة الثالثة وقيمتها ألفي درهم إماراتي.
1. حاجز بلا هوية
ما كان ينبغي أن تنسي الهوية؛ المشكلة أنها اللحظة الأكثر مناسبة لتذكر هوية ما ضائعة، والمشكلة أيضاً أن التباس المفاهيم يزيد من اشتعال الخلاف بينك وبينهم؟!
باختصار دون هوية لن تمري وربما ستحاسبين شر حساب على اقتراف ذنب كهذا،تستهينين بصاحب الخوذة ،ذاك" الرجل" الطويل ، ذو المنظر المقرف والصوت المجلجل، وهو إذ يحمل بندقيته المخيفة يعوض عقدة نقص لديه ، قد تكون خوفاً من مستقبل مجهول أو ماضٍ معلوم. أقول ذلك وأنا التي ما تجرأتْ على قراءة كتاب في علم النفس …
على كل حال أنا مضطرة للرجوع من حيث أتيت فدون هويتي لن أرى أهلي والصراحة أنني أحتاج بعض المال لطالبة تسكن بعيداً عن بيتها، الأكثر صراحة أن معدتي ملّت من طبخي غريب الطعم والنكهة حيث تخرج المقلوبة مجدرة والعكس صحيح، فلا بد من أكلة لذيذة تطبخها" ست الكل "…
ورجعتُ القهقرى، شاعرةً أن كتل الإحباط التي مررتُ بها منذ سنين تتكالب فيّ، رجعت من أجل البطاقة التي صنعتها " اسرائيل "و" دبستني" بها...
اسمي مكتوب باللغة العربية واللغة العبرية... اسم أمي و أبي... جدي وعائلتي وكل التفاصيل كتبت باللغتين، السلطة الوطنية الفلسطينية … هي أيضاً كتبت بالعربية والعبرية وعلى رأس البطاقة.
على هويتي ختم لها والخلفية نسر فلسطيني، تمازج الالوان في الهوية ذو مدلول يلقي بظلال الرضا والقبول عليكَ … أحياناً لا تجد من يقنعك " بفلسطينيتك" سواها، ولكن … كل شيء مكتوب باللغتين … العربية والعبرية.
وكأني أدركت قيمة هويتي بعد العثور عليها مختبئةًًًً في أحد الكتب،هي معذورة ، فاليد التي ستحملها بعدي مجرمة .

2. تمتمات على الحاجز
لي صديقة متطرفة بعض الشيء؛ ما أن تسنح لها الفرصة بالوقوف على حاجز حتى تتمتم بصوتها الجهوري:
شد احزامك يا استشهادي وعبي الساحة دم
حتى نرجع أرض بلادي والأفراح تعم
صديقتي الثانية تخاف كثيراً، ولا تتوانى في إسكات الأولى حالما تسمع صوتها، تقول:" اليوم راح نتبهدل علىالحاجز" !! و" السياسة عندكم مثل البطيخ" تذكر ذلك لأنها تحب البطيخ كثيراً...
دائماً هي كذلك تعطي المواعظ والإرشادات للمرور عن الحواجز بسلام، ذات مرة اقترحت عليها أن تطبع "بروشور " بهذا الخصوص.
صديقتي الثالثة مغرمة بشخص اسمه" محمود درويش"، قبل أن تحبه كان اسمه "درويش محمد" أو شيء من هذا القبيل، فأجرت عليه التعديلات اللازمة ليحمل اسم شاعرها المفضل.
في أول رسالةلها ضمنها قصيدة" عاشق من فلسطين"...
هي كذلك ردت عليه بقصيدة أخرى فيها جرعة من الحب والاحتلال...
تحبه كما أرضها الواقعة خلف جدار الفصل العنصري أو أياً كان اسمه...
أقدّر أنهما يشعران بنوع من الخطأ في علاقتهما لذلك يضعان محمود درويش كوساطة بينهما وبين المجتمع "المحافظ "الذي يضع الحب على رأس قائمة “العيوب".هي الآن معنا على الحاجز وتتمتم:
قتلى ومجهولون. لانسيان يجمعهم
ولا ذكرى تفرقهم …
ومنسيون في عشب الشتاء
على الطريق العام
بين حكايتين طويلتين من البطولة والعذاب…
دائماً اسمع التمتمات جيداً ولكن لم أنتبه الى فحواها إلا عند الكتابة في دفتر مذكراتي ... أدركتُ أن كلتيهما تذكر الشهادة في ثنايا حديثها …
الشهادة/ الموت / الفلسطيني/ الاسرائيلي، هي ماتردد في ذهني حينها … ما الرابط؟ وكيف يمكن التعبيرعنه؟
لا أدري !!

3. العنوان فلسطيني قبل كل شيء
لوأردنا التعبير عن العلاقة بين هذه الكلمات حسب صديقتي الثالثة التي تدرس الرياضيات قد نصل الى المعادلة التالية:
شهادة+فلسطيني = فلسطين
موت+ اسرائيلي= فلسطين
وباتباع طريقة الحذف لحل المعادلات الرياضية يكون الناتج كما يلي:
شهادة+ فلسطيني= موت +اسرائيلي.
تقتنع كل أطراف المعادلة، البادية منها والباطنة، بصحتها وهي في سعي دؤوب لحلها أو ربما لمنع ذلك … كلهم على اقتناع تام بها إلا فئة قليلة آثرت العمل ضد التيار، أحياناً تعتقد أنهم يمارسون هوايتهم في مراقبة مصائب الآخرين أو الدفاع عنهم كما يقولون ، يحرصون دائماً على ارتداء الأبيض ليقنعوا غيرهم أن للسلام علاقة بهم .
صديقاتي لكل منهن اهتمامها، أما أنا ومنذ لحظة عثوري على هويتي لفت نظري شخص ما ...
اعترف أنني في البداية ظننتها رجلاً، وأخمن أنها ظنتني تلك الإرهابية التي تخاف من الحديث مع أجانب حفاظاً على حرمة زيها الإسلامي المحتشم...
هي ظنت وأنا ظننت، المهم هي حرة في تشبهها بالرجال وأنا حرة فيما أرتديه لمعتقد ما يدور في رأس كلينا.
كان المظهر بداية الإختلاف بيننا ؛نقف … بل أقف أنا وتجلس هي على الحاجز ، حرقة الشمس تزيد بشرتها احمراراًكما تزيد بشرتي اسمراراً ، قد تكون أطول مني قليلاً وأكبر مني كثيراً، تمنيت لو تخلع نظارتها الشمسية لأعرف من عينيها شيئاً آخر عنها وعني فيها ، كانت محاطة بكثير من الجنود وكانهم يحمونها من عملية اختطاف أو اعتداء ،وفي نفس الوقت ترى التذمر في عيونهم ولسان حالهم يقول "ما الذي أتى بها الى هنا ؟ ننحت الصخر هنا من أجل راحتها فتلحق بنا بدعوى نشر السلام "ويرمقون المحجوزين بنظراتهم التي باتت معروفة للجميع وكأننا أجبرناهم على ترك حياتهم العادية والانخراط في صفوف الباحثين عن الأمن في أرض ليست لهم.
وأنا غارقة في التأمل والتفكير...
وبين أمل في المرور وتفكير بالأهل تدفعني صديقتي الى الأمام علّنا نصل قبل حلول الليل.

4. It's nice to meet you
قد يكون السبب في ارتسام البسمة على شفتي والدتي هو نوع من الفخر بإبنتها – أخبرتها أنني رفضتُ مواصلة الchat مع فتاة لأنني اكتشفت أنها اسرائيلية،أمي لم تدرك إلا كلمتين : "رفضت" و"اسرائيلية" ، شعرت أن حب الوطن غرس في قلبي ، وحب الوطن هنا رفض اسرائيل .
انتقدت نفسي حينها... لأني لا أحب أن أخاف من شيء...
أقول ذلك لأنني أيقنت أن نفسي خائفة من الحديث مع إسرائيلية ، هي في ذاتي عدو يجب الحذر منه ولكن المفارقة أن ذلك لا ينفي إنسانيتها ، رفضت محادثتها عبر الانترنت دون أن أعلم بأنني سأحادث أخرى وجهاً لوجه ، من حقي الاستغراب؛ فأنا لست "صائب عريقات" وهي ليست "يوسي بيلين" ،ولا نجلس على طاولة المفاوضات أو نتلاقف الأكاذيب والتنا زلات ... إنما أقف أنا وتجلس هي على حاجز.
- مساء الخير هل يمكن التعرف عليك ؟
- أنا عاملة في منظمة نساء ضد الحواجز، نسعى لإزالة الحواجز من مدنكم لتتنقلوا بحرية
- تدركون أن حريتنا مقيدة ؟
- أكيد، لذلك أسعى الى مساعدتكم، هل تدرسين في الجامعة؟
- نعم، أدرس الصحافة والإعلام.
- هذا جميل جداً، من أين أنت ؟
- من قضاء مدينة جنين.
- سيكون أمامك الكثير من الحواجز
- قد تكون ثلاثة أو أربعة
- لا أعرف ماذا أقول ولكن أتمنى لك الوصول بسلام. آه نسيت السؤال عن اسمك
- نهى، وأنت ماا سمك؟
- يهوديت
- It's nice to meet you
هكذا تلاقينا على الحاجز...
على أرض فلسطين: نهى ويهوديت. دون جنسيات، بلا مؤخرات أو مقدمات... هكذا اختصر صراع أربعة وخمسين عاماً بعبارة انجليزية، فقط أنا وهي ... تجاهلنا مئات المحجوزين وعشرات الجنود المسلحين.
للحظة ظننتُ أنني نسيت...
في طريق أخرى سلكته ذكرتني بندقية أخرى على حاجز آخر أن لي وجعاً ضاع في لحظة نسيان...
آه يهوديت لو تعلمين أن لي أخاً قتلته بندقية جندي إسرائيلي وابن عم أقعدته رصاصة مجندة إسرائيلية، وابن خال أعمته ظلمة سجن إسرائيلي...
آه لو تعلمين أن الإرهاب الذي تتهمينني به يحمل رسالة إنسان... إنسان فقد وطنه... وأقسم على استرجاعه.



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين