الشهيد مازن فريتخ : أصرّ على طلب الشهادة .. فمنحه الله ما تمنّى
الشهيد مازن فريتخ : أصرّ على طلب الشهادة .. فمنحه الله ما تمنّى
الشهيد مازن فريتخ : أصرّ على طلب الشهادة .. فمنحه الله ما تمنّى
عدد القراءات: 155

 

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ... تلك هي باختصار قصة الشهيد المجاهد مازن فريتخ أحد أبرز قياديي كتائب شهداء الأقصى في نابلس و فلسطين .. ذاك القائد الذي سطّر بجهاده و تضحياته أروع آيات العزة و الانتصار .. أبى إلا أنْ يلقى الله شهيداً مقبلاً غير مدبِر ، فكان له ما تمنّى .. بعد أنْ سام الصهاينة ألواناً مختلفة من العذاب ..

أطلّ الشهيد مازن مروان فريتخ على الدنيا بتاريخ 17/5/ 1978 لأسرةٍ مجاهدة متواضعة في بيتٍ بسيطٍ من بيوت حارة الياسمينة في البلدة القديمة من نابلس ليكون واحداً من بين أربعةٍ من الذكور و أربعة من الإناث و لتكتمل به فرحة الوالد الذي ما لبِث أن لبّى نداء ربه قبل أنْ يرى طفله و قد أضحى رجلاً من رجال الجهاد و علماً من أعلام المقاومة .

نشأ شهيدنا النشأة الطيبة الصالحة و تربّى على حبّ الله و رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم فكان ملازماً للمسجد ، ملتزماً بالصلاة ، يحبّ الخير و فعله و كان مثالاً للأخلاق الحميدة فأصبح محبوباً بين أهله و جيرانه و رفاقه ، و كان عطوفاً حنوناً على إخوته خصوصاً على أخواته الثلاث ، و يصل رحمه باستمرار و يتفقّد أقرباءه ، و تميّز منذ صغره بالجرأة و القوة و الشجاعة و قوة الشخصية ..

تلقّى مازن علومه في مدرسة ابن الهيثم و درس حتى الصف الأول ثانوي حيث أصابته رصاصة غادرة في ساقه أقعدته عن الدراسة ، خلال مواجهاتٍ مع قوات الاحتلال في أواخر الانتفاضة الأولى ، و بالإضافة إلى سوء الحال و تدهور الأوضاع المعيشية ، انخرط مازن بعد شفائه في ميادين العمل ، و امتهن القصارة ليأخذ على عاتقه مع شقيقه الأكبر مسؤولية إخوته و أخواته إضافةً إلى عمّتيه اللتين كانتا تقيمان معهم في نفس المنزل ، فتحمّل المسؤولية مبكّراً و كان أهلاً لها خاصة و أنّ والده توفّي و هو صغير .

 

"و ما عند الله خير و أبقى" ..

و جاءت انتفاضة الأقصى ، فوجد فيها مازن ما كان ينتظره بعد سبع سنواتٍ سوداء من عهد أوسلو .. و منذ الأسابيع الأولى للانتفاضة ، شمّر مازن عن ساعديه ، و قد توفّرت لديه الرغبة و العزيمة ، و لكن كان ينقصه عنصرٌ أساس في العمل الجهادي ... ألا و هو السلاح ... فكيف يحصل عليه ؟ و من أين له المال الكافي لشرائه و هو المكلّف بالنفقة على أهل بيته و مصادر الرزق محدودة ، و بالكاد تكفي لشراء الأكل و الشراب ؟!!

أمام هذه المعادلة العصيبة وقف شهيدنا .. و بكلّ ثقة و دون تردّد قرّر السير في طريق ذات الشوكة مضحّياً بالغالي و النفيس لإعلاء كلمة الله و لدحر الصهاينة المعتدين ، فسارع إلى بيع المنزل الذي كان قد اشتراه و لم يتمكّن من سداد باقي أقساطه ليشتري بثمنه بندقية من طراز (أم 16) و كمية من الذخائر و ليبدأ بها مشواره الجهاديّ .

و لم تكدْ تنقضي السنة الأولى للانتفاضة المباركة حتى أضحى مازن علَماً لامعاً من أعلام الجهاد و المقاومة ، فكان هو دائماً صاحب المبادرة ، فقبل الاجتياح الأول لمدينة نابلس لم يكنْ هناك أيّ وجودٍ عسكريّ صهيوني داخل نابلس فكان شهيدنا يذهب إليهم بنفسه ، و تشهد له الطرق الالتفافية و النقاط العسكرية المترامية على قمم الجبال بالعديد من المعارك و الملاحم البطولية ، و كان يعود منها و لا يرى عليه أيّ أثر ، حيث كان يبدو بين أهله و جيرانه طبيعياً ، إذ كان يحتفظ بأسرار عمله الجهادي في نفسه بعيداً عن الرياء .

أحبّ مازن الشهداء حباً جمّاً و كان يبكي لفراقهم و لم تكنْ هناك جنازة لشهيد إلا و كان هو في مقدّمتها ، و لكن ما كان يميّزه عن غيره أنّه لم يكنْ يحمل سلاحه في تلك الجنازات رياءً أو مفاخرة ، و لم يكنْ يطلق الرصاص في الهواء كما كان يفعل الكثيرون ، بل إنّه كان يمسِك بالرصاصة بإصبعيه قائلاً : "هذه الرصاصة قد تساوي جندياً صهيونياً في يومٍ من الأيام" ، فكان حريصاً على عدم ذهابها في غير مكانها ..

و جاء الاجتياح الشامل لمدينة نابلس في نيسان عام 2002 ليبدأ معها صراع الأدمغة بين شهيدنا و قوات الاحتلال الصهيوني التي سارعت و قبل ساعاتٍ معدودة من بدء عدوانها على نابلس بقصف منزله في وضح النهار لترتقي عمّتاه (زها و رشا) شهيدتين فيما أصيبت أخته الكبرى إصابة بالغة و أصيب شقيقه إيهاب المعتقل حالياً في سجون الاحتلال و نجا شقيقه الآخر بشار الذي يقبع هو الآخر في سجون الاحتلال ، و نجا هو كذلك رغم إصابته ببعض الشظايا من جراء القصف ، و ما إنْ دخلت قوات الاحتلال نابلس حتى انقضّ عليهم شهيدنا بكلّ ما أوتي من عدّةٍ و عتاد رغم جراحه التي أصيب بها ، لكنّ فظاعة ما حلّ بأهله و بيته جعلته ينفض عن نفسه الغبار و يواصل الطريق الذي اختطه لنفسه ..

أمضى شهيدنا بعد ذلك عاماً كاملاً من المطاردة و التشرّد ، ذاق خلالها حرارة الصيف و برودة الشتاء ، و كان يقضي معظم لياليه ساهراً يحرس في سبيل الله ، تارة في البراري و تارة في الجبال ، و أخرى على أسطح البنايات .. يفترش الأرض و يلتحف السماء ، و لشدة حرصه و استعداده للقاء الله في أيّ لحظةٍ كان شهيدنا لا يتحرّك نهاراً و لا يبيت ليلاً إلا و هو على وضوءٍ تامّ ، و كان رحمه الله شديد الحرص و الحذر ، و كان صادقاً مع الله فأنقذه الله ذات ليلة من بين أيدي جنود الاحتلال رغم أنّهم استولوا على بندقيته العزيزة و كامل ذخيرته و لكنّ الله هيّأ له بندقية أخرى و أبدله خيراً منها .

شارك شهيدنا في عدة عملياتٍ نوعية ، و أقرّ الصهاينة بأنّه شارك في عمليات قُتِل فيها ما يزيد على 30 صهيونياً و عشرات الجرحى ، و من بين العمليات التي شارك في إعدادها و التخطيط لها العملية الاستشهادية في التلة الفرنسية بالقدس المحتلة في 20/6/2002 و التي نفّذها الاستشهاديّ سائد عوادة و قتل فيها أكثر من 7 و جرح العشرات من الصهاينة ، و كذلك العملية النوعية المزدوجة التي نفّذها الاستشهاديان سامر النوري و براء خلفة في محطة الباصات المركزية القديمة بتل أبيب في 5/1/2003 و التي أوقعت ما يزيد عن 23 صهيونياً و أصيب فيها نحو 100 بجروح . أما عن المعارك التي قابل شهيدنا جنود الاحتلال فيها وجهاً لوجه فكان أبرزها معركة بناية "عالول و أبو صالحة" وسط المدينة و التي خاضها هو و رفيق دربه الشهيد أحمد جود الله حيث شارك في قتل عددٍ من جنود الاحتلال و جرح آخرين .

 

إصرارٌ على الشهادة :

كان مازن رحمه الله يتمنّى من الله تعالى بصدقٍ أنْ يرزقه الشهادة ، و كثيراً ما كان يقول : "أخشى أنْ تنتهي انتفاضة الأقصى كما انتهت سابقاتها قبل أنْ أنال الشهادة" ... فقد كان شهيدنا يعشق الشهادة و يتلهّف للقاء ربه و صحبة نبيه صلى الله عليه و سلم .

و استمرّ شهيدنا على هذا الحال إلى أنْ استقرّ به المقام مع اثنين من إخوانه هما المجاهد نائل السخل من كتائب الشهيد عز الدين القسام ، و المجاهد ضياء التكروري من كتائب شهداء الأقصى داخل إحدى البنايات في منطقة المخفيّة ، فكان على موعدٍ مع الشهادة في تلك الليلة بتاريخ 15/4/2003 ، حيث حوصرت البناية بأعدادٍ ضخمة من قوات الاحتلال و دباباته و طائراته المروحيّة ، و بدأت معركة شرسة و عنيفة استعمل فيها الصهاينة كلّ ما يملكون من عدّةٍ و عتاد مقابل ثلاثة نفرٍ من المجاهدين الواثقين بنصر الله ... و يشاء الله أنٍ يُصاب رفيقا مازن مبكّراً ليقعا في أيدي الصهاينة ، و ليبقى هو وحده يقاتل بضراوةٍ و استبسال ، فقتل منهم ضابطاً كبيراً برتبة كولونيل و جرح جنديّين آخرين أحدهما بحالة خطرة حسب اعترافات الجيش الصهيوني في حينه .

حاول الجنود الصهاينة يائسين إقناع مازن و عبر مكبّرات الصوت بالاستسلام بعد اعتقال رفيقيه ، لكنّ هذه الدعوات لم تعرف إلى أذنيه طريقاً .. فهو الذي كان يتمنّى هذه اللحظة ساعةً بساعة ، و ضحّى في سبيلها بكلّ ما يملك من متاع هذه الدنيا ، و كان يدعو الله قائلاً : "اللهم إنّي أعوذ بك من أنْ أغتال من فوقي أو من أسفل مني ، و أسألك اللهم أنْ ألقى الأعداء لقاء ..." .

خاض مازن في تلك الليلة أكثر من اشتباكٍ مع قوات الاحتلال ، و بعد ساعات من القتال نزل من البناية و أفلت من حصار الجيش و أصبح بعيداً عن مرماهم ، و كان باستطاعته الهرب إلى وسط نابلس و الإفلات من أيدي الصهاينة ، لكنّه كان صادقاً مع الله فقد طلب الشهادة بصدق ، فصعد إلى بناية أخرى و خاض اشتباكاً ثانياً رغم إصابته في الاشتباك الأول و طلب من سكان البناية مغادرتها حتى لا يتعرّضوا للأذى ، و رغم أنّه فقد بندقيته في البناية الأولى بعد أنْ أصيب بجروحٍ إلا أنه قرّر مواصلة المعركة فاستلّ مسدسه و كمن على سدّةٍ في مطبخ إحدى الشقق ، و رغم أنّ السدة لا يتجاوز ارتفاعها 50 سم إلا أنه وجد فيها بخبرته العسكرية موقِعاً استراتيجياً يتصيّد من خلالها جنود الاحتلال كما تصطاد الحشرات ، و كان يسبق كلّ طلقة رصاص من مسدسه بتكبيرةٍ يزلزل بها قلوب الأعداء . و عندما اشتدّ غيظ الصهاينة منه ، ما كان منهم إلا أنْ أطلقوا باتجاهه قذائف دباباتهم و مدافعهم الرشاشة لينهوا بها واحدة من أروع فصول البطولة و الفداء التي عرفها تاريخ هذا الشعب المجاهد ، ففاضت روحه الطاهرة إلى بارئها .. و أسلم الأمانة لصاحبها .

و ما إنْ انقضت المعركة و انسحبت فلول المحتلين من المنطقة حتى هبّت نابلس بشيبها و شبانها و أطفالها و نسائها ليُخرِجوا ذاك الجسد الطاهر من تلك الشقة ، و خرج الآلاف من أهالي المدينة يحمِلون الجثمان على الأكتاف و قد مزّقته القذائف و اخترقت إحدى الرصاصات جبينه محدثة فيه ثغرة عميقة ، و طافوا به شوارع المدينة و البلدة القديمة التي عشقها و ارتوى في جنباتها حبّ الوطن .

لقد فقدت نابلس و فلسطين باستشهاد مازن أسداً من أسودها المغاوير ... و فارساً من فرسانها الأشداء و بطلاً من أبطالها العظماء .. و لكنّ الأرحام التي حملت أمثال مازن لن تعجز أن تلِد الآلاف ممّن يسيرون على ذات الدرب .. و يُكمِلوا ما بدأه هؤلاء الأبطال .

 

أضف تعليق
تغيير الصورة
تعليقات الزوار

1

محمد يوسف، الاردن/الرصيفة
الله معك يا شعب الجبارين

2

لولو، نابلس
مازن الله يرحمك ويرحم خواتك نيالكم نلتو شهادة
تصميم وتطوير: ماسترويب