واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
شهداء نابلس
الشهيد مازن فريتخ : أصرّ على طلب الشهادة .. فمنحه الله ما تمنّى

تم النشر أول مرة بتاريخ29/08/2005 09:20:00

 

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ... تلك هي باختصار قصة الشهيد المجاهد مازن فريتخ أحد أبرز قياديي كتائب شهداء الأقصى في نابلس و فلسطين .. ذاك القائد الذي سطّر بجهاده و تضحياته أروع آيات العزة و الانتصار .. أبى إلا أنْ يلقى الله شهيداً مقبلاً غير مدبِر ، فكان له ما تمنّى .. بعد أنْ سام الصهاينة ألواناً مختلفة من العذاب ..

أطلّ الشهيد مازن مروان فريتخ على الدنيا بتاريخ 17/5/ 1978 لأسرةٍ مجاهدة متواضعة في بيتٍ بسيطٍ من بيوت حارة الياسمينة في البلدة القديمة من نابلس ليكون واحداً من بين أربعةٍ من الذكور و أربعة من الإناث و لتكتمل به فرحة الوالد الذي ما لبِث أن لبّى نداء ربه قبل أنْ يرى طفله و قد أضحى رجلاً من رجال الجهاد و علماً من أعلام المقاومة .

نشأ شهيدنا النشأة الطيبة الصالحة و تربّى على حبّ الله و رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم فكان ملازماً للمسجد ، ملتزماً بالصلاة ، يحبّ الخير و فعله و كان مثالاً للأخلاق الحميدة فأصبح محبوباً بين أهله و جيرانه و رفاقه ، و كان عطوفاً حنوناً على إخوته خصوصاً على أخواته الثلاث ، و يصل رحمه باستمرار و يتفقّد أقرباءه ، و تميّز منذ صغره بالجرأة و القوة و الشجاعة و قوة الشخصية ..

تلقّى مازن علومه في مدرسة ابن الهيثم و درس حتى الصف الأول ثانوي حيث أصابته رصاصة غادرة في ساقه أقعدته عن الدراسة ، خلال مواجهاتٍ مع قوات الاحتلال في أواخر الانتفاضة الأولى ، و بالإضافة إلى سوء الحال و تدهور الأوضاع المعيشية ، انخرط مازن بعد شفائه في ميادين العمل ، و امتهن القصارة ليأخذ على عاتقه مع شقيقه الأكبر مسؤولية إخوته و أخواته إضافةً إلى عمّتيه اللتين كانتا تقيمان معهم في نفس المنزل ، فتحمّل المسؤولية مبكّراً و كان أهلاً لها خاصة و أنّ والده توفّي و هو صغير .

 

"و ما عند الله خير و أبقى" ..

و جاءت انتفاضة الأقصى ، فوجد فيها مازن ما كان ينتظره بعد سبع سنواتٍ سوداء من عهد أوسلو .. و منذ الأسابيع الأولى للانتفاضة ، شمّر مازن عن ساعديه ، و قد توفّرت لديه الرغبة و العزيمة ، و لكن كان ينقصه عنصرٌ أساس في العمل الجهادي ... ألا و هو السلاح ... فكيف يحصل عليه ؟ و من أين له المال الكافي لشرائه و هو المكلّف بالنفقة على أهل بيته و مصادر الرزق محدودة ، و بالكاد تكفي لشراء الأكل و الشراب ؟!!

أمام هذه المعادلة العصيبة وقف شهيدنا .. و بكلّ ثقة و دون تردّد قرّر السير في طريق ذات الشوكة مضحّياً بالغالي و النفيس لإعلاء كلمة الله و لدحر الصهاينة المعتدين ، فسارع إلى بيع المنزل الذي كان قد اشتراه و لم يتمكّن من سداد باقي أقساطه ليشتري بثمنه بندقية من طراز (أم 16) و كمية من الذخائر و ليبدأ بها مشواره الجهاديّ .

و لم تكدْ تنقضي السنة الأولى للانتفاضة المباركة حتى أضحى مازن علَماً لامعاً من أعلام الجهاد و المقاومة ، فكان هو دائماً صاحب المبادرة ، فقبل الاجتياح الأول لمدينة نابلس لم يكنْ هناك أيّ وجودٍ عسكريّ صهيوني داخل نابلس فكان شهيدنا يذهب إليهم بنفسه ، و تشهد له الطرق الالتفافية و النقاط العسكرية المترامية على قمم الجبال بالعديد من المعارك و الملاحم البطولية ، و كان يعود منها و لا يرى عليه أيّ أثر ، حيث كان يبدو بين أهله و جيرانه طبيعياً ، إذ كان يحتفظ بأسرار عمله الجهادي في نفسه بعيداً عن الرياء .

أحبّ مازن الشهداء حباً جمّاً و كان يبكي لفراقهم و لم تكنْ هناك جنازة لشهيد إلا و كان هو في مقدّمتها ، و لكن ما كان يميّزه عن غيره أنّه لم يكنْ يحمل سلاحه في تلك الجنازات رياءً أو مفاخرة ، و لم يكنْ يطلق الرصاص في الهواء كما كان يفعل الكثيرون ، بل إنّه كان يمسِك بالرصاصة بإصبعيه قائلاً : "هذه الرصاصة قد تساوي جندياً صهيونياً في يومٍ من الأيام" ، فكان حريصاً على عدم ذهابها في غير مكانها ..

و جاء الاجتياح الشامل لمدينة نابلس في نيسان عام 2002 ليبدأ معها صراع الأدمغة بين شهيدنا و قوات الاحتلال الصهيوني التي سارعت و قبل ساعاتٍ معدودة من بدء عدوانها على نابلس بقصف منزله في وضح النهار لترتقي عمّتاه (زها و رشا) شهيدتين فيما أصيبت أخته الكبرى إصابة بالغة و أصيب شقيقه إيهاب المعتقل حالياً في سجون الاحتلال و نجا شقيقه الآخر بشار الذي يقبع هو الآخر في سجون الاحتلال ، و نجا هو كذلك رغم إصابته ببعض الشظايا من جراء القصف ، و ما إنْ دخلت قوات الاحتلال نابلس حتى انقضّ عليهم شهيدنا بكلّ ما أوتي من عدّةٍ و عتاد رغم جراحه التي أصيب بها ، لكنّ فظاعة ما حلّ بأهله و بيته جعلته ينفض عن نفسه الغبار و يواصل الطريق الذي اختطه لنفسه ..

أمضى شهيدنا بعد ذلك عاماً كاملاً من المطاردة و التشرّد ، ذاق خلالها حرارة الصيف و برودة الشتاء ، و كان يقضي معظم لياليه ساهراً يحرس في سبيل الله ، تارة في البراري و تارة في الجبال ، و أخرى على أسطح البنايات .. يفترش الأرض و يلتحف السماء ، و لشدة حرصه و استعداده للقاء الله في أيّ لحظةٍ كان شهيدنا لا يتحرّك نهاراً و لا يبيت ليلاً إلا و هو على وضوءٍ تامّ ، و كان رحمه الله شديد الحرص و الحذر ، و كان صادقاً مع الله فأنقذه الله ذات ليلة من بين أيدي جنود الاحتلال رغم أنّهم استولوا على بندقيته العزيزة و كامل ذخيرته و لكنّ الله هيّأ له بندقية أخرى و أبدله خيراً منها .

شارك شهيدنا في عدة عملياتٍ نوعية ، و أقرّ الصهاينة بأنّه شارك في عمليات قُتِل فيها ما يزيد على 30 صهيونياً و عشرات الجرحى ، و من بين العمليات التي شارك في إعدادها و التخطيط لها العملية الاستشهادية في التلة الفرنسية بالقدس المحتلة في 20/6/2002 و التي نفّذها الاستشهاديّ سائد عوادة و قتل فيها أكثر من 7 و جرح العشرات من الصهاينة ، و كذلك العملية النوعية المزدوجة التي نفّذها الاستشهاديان سامر النوري و براء خلفة في محطة الباصات المركزية القديمة بتل أبيب في 5/1/2003 و التي أوقعت ما يزيد عن 23 صهيونياً و أصيب فيها نحو 100 بجروح . أما عن المعارك التي قابل شهيدنا جنود الاحتلال فيها وجهاً لوجه فكان أبرزها معركة بناية "عالول و أبو صالحة" وسط المدينة و التي خاضها هو و رفيق دربه الشهيد أحمد جود الله حيث شارك في قتل عددٍ من جنود الاحتلال و جرح آخرين .

 

إصرارٌ على الشهادة :

كان مازن رحمه الله يتمنّى من الله تعالى بصدقٍ أنْ يرزقه الشهادة ، و كثيراً ما كان يقول : "أخشى أنْ تنتهي انتفاضة الأقصى كما انتهت سابقاتها قبل أنْ أنال الشهادة" ... فقد كان شهيدنا يعشق الشهادة و يتلهّف للقاء ربه و صحبة نبيه صلى الله عليه و سلم .

و استمرّ شهيدنا على هذا الحال إلى أنْ استقرّ به المقام مع اثنين من إخوانه هما المجاهد نائل السخل من كتائب الشهيد عز الدين القسام ، و المجاهد ضياء التكروري من كتائب شهداء الأقصى داخل إحدى البنايات في منطقة المخفيّة ، فكان على موعدٍ مع الشهادة في تلك الليلة بتاريخ 15/4/2003 ، حيث حوصرت البناية بأعدادٍ ضخمة من قوات الاحتلال و دباباته و طائراته المروحيّة ، و بدأت معركة شرسة و عنيفة استعمل فيها الصهاينة كلّ ما يملكون من عدّةٍ و عتاد مقابل ثلاثة نفرٍ من المجاهدين الواثقين بنصر الله ... و يشاء الله أنٍ يُصاب رفيقا مازن مبكّراً ليقعا في أيدي الصهاينة ، و ليبقى هو وحده يقاتل بضراوةٍ و استبسال ، فقتل منهم ضابطاً كبيراً برتبة كولونيل و جرح جنديّين آخرين أحدهما بحالة خطرة حسب اعترافات الجيش الصهيوني في حينه .

حاول الجنود الصهاينة يائسين إقناع مازن و عبر مكبّرات الصوت بالاستسلام بعد اعتقال رفيقيه ، لكنّ هذه الدعوات لم تعرف إلى أذنيه طريقاً .. فهو الذي كان يتمنّى هذه اللحظة ساعةً بساعة ، و ضحّى في سبيلها بكلّ ما يملك من متاع هذه الدنيا ، و كان يدعو الله قائلاً : "اللهم إنّي أعوذ بك من أنْ أغتال من فوقي أو من أسفل مني ، و أسألك اللهم أنْ ألقى الأعداء لقاء ..." .

خاض مازن في تلك الليلة أكثر من اشتباكٍ مع قوات الاحتلال ، و بعد ساعات من القتال نزل من البناية و أفلت من حصار الجيش و أصبح بعيداً عن مرماهم ، و كان باستطاعته الهرب إلى وسط نابلس و الإفلات من أيدي الصهاينة ، لكنّه كان صادقاً مع الله فقد طلب الشهادة بصدق ، فصعد إلى بناية أخرى و خاض اشتباكاً ثانياً رغم إصابته في الاشتباك الأول و طلب من سكان البناية مغادرتها حتى لا يتعرّضوا للأذى ، و رغم أنّه فقد بندقيته في البناية الأولى بعد أنْ أصيب بجروحٍ إلا أنه قرّر مواصلة المعركة فاستلّ مسدسه و كمن على سدّةٍ في مطبخ إحدى الشقق ، و رغم أنّ السدة لا يتجاوز ارتفاعها 50 سم إلا أنه وجد فيها بخبرته العسكرية موقِعاً استراتيجياً يتصيّد من خلالها جنود الاحتلال كما تصطاد الحشرات ، و كان يسبق كلّ طلقة رصاص من مسدسه بتكبيرةٍ يزلزل بها قلوب الأعداء . و عندما اشتدّ غيظ الصهاينة منه ، ما كان منهم إلا أنْ أطلقوا باتجاهه قذائف دباباتهم و مدافعهم الرشاشة لينهوا بها واحدة من أروع فصول البطولة و الفداء التي عرفها تاريخ هذا الشعب المجاهد ، ففاضت روحه الطاهرة إلى بارئها .. و أسلم الأمانة لصاحبها .

و ما إنْ انقضت المعركة و انسحبت فلول المحتلين من المنطقة حتى هبّت نابلس بشيبها و شبانها و أطفالها و نسائها ليُخرِجوا ذاك الجسد الطاهر من تلك الشقة ، و خرج الآلاف من أهالي المدينة يحمِلون الجثمان على الأكتاف و قد مزّقته القذائف و اخترقت إحدى الرصاصات جبينه محدثة فيه ثغرة عميقة ، و طافوا به شوارع المدينة و البلدة القديمة التي عشقها و ارتوى في جنباتها حبّ الوطن .

لقد فقدت نابلس و فلسطين باستشهاد مازن أسداً من أسودها المغاوير ... و فارساً من فرسانها الأشداء و بطلاً من أبطالها العظماء .. و لكنّ الأرحام التي حملت أمثال مازن لن تعجز أن تلِد الآلاف ممّن يسيرون على ذات الدرب .. و يُكمِلوا ما بدأه هؤلاء الأبطال .

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) محمد يوسف
الله معك يا شعب الجبارين

2) لولو
مازن الله يرحمك ويرحم خواتك نيالكم نلتو شهادة