واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
لو كنت تبغي خيره لبذلت من دمك الثمن

تم النشر أول مرة بتاريخ22/10/2005 03:36:00

ساهمتُ بالأمس في حملة تطوعية لجمع التبرعات لإحدى المؤسسات الخيرية التي تقوم بتقديم خدمات انسانية واجتماعية لسكان المدينة، هذه المدينة التي عانت الامرين خلال السنوات الخمس الماضية، وقد كانت هذه الجمعية من المؤسسات الرائدة التي نذرت نفسها لمساعدة المواطنين أثناء الاجتياحات الاسرائيلية المتكررة وكذلك قدمت الغذاء والدواء والمساعدات الطارئة للمناطق التي تعرضت للقصف والتدمير الاسرائيلي طيلة الفترة المذكورة، قدمت هذه الجمعية كل ما تستطيع في سبيل التخفيف من الالم الذي يعاني منه المواطن في المدينة وجوارها، سواء من خلال اسعافها وإغاثتها للملهوف او عن طريق خدماتها الطبية للاطفال ذوي الاعاقات والاحتياجات الخاصة او من خلال توفير الملجأ لمن بلغوا من الكبر عتياً ممن لا أقارب لهم.

 

بدات حملة جمع التبرعات ضعيفة وانتهت ضعيفة حيث لم يشارك فيها معظم رجالات المدينة وشخصياتها الإعتبارية وذلك بأدائهم لواجبهم في تقديم العون لهذه الجمعية من أجل الاستمرار في تقديم خدماتها المجانية، كما اختفى المرشحون لانتخابات المجلس التشريعي والبلدي الذين يتحفوننا بشعاراتهم الجوفاء عن الوطن السعيد والمواطن الآمن والحياة الهانئة والرخاء الاقتصادي، نشاهدهم هذه الأيام على شاشات التلفاز المحلية، نشاهد صورهم النضالية والتاريخية، نشاهدهم يبتسمون أمام عدسات الكاميرات ولا نشاهدهم حين نحتاجهم، لم نجدهم في ساحات الوغى ايام الاجتياحات، انشقت الارض وابتلعتهم، لم ينبس أحد منهم ببنت شفة، بينما كان متطوعوا هذه الجمعية وموظفيها يحرثون شوارع المدينة التي كانت مدينة أشباح خلت من الناس ولم يبق فيها سوى دبابات الاحتلال وآلياته، خاطر هؤلاء المتطوعون والسائقون باراوحهم للوصول الى بيت يحتله الجنود بعد أن حولوا سكانه الى دروعٍ بشرية، هؤلاء السكان الذين لم يجرؤ أيٌ من جيرانهم على إيصال قطعة خبز لهم، كما قدم متطوعوا هذه الجمعية حياتهم قرباناً للوطن حين هبوا لتقديم العلاج للمدافعين عن البلدة القديمة في المستشفى الميداني داخل أحد المساجد حيث شاهدهم سكانها يقومون بإخلاء جثث الشهداء تحت حراب المحتلين ونيرانهم.

 

كما شاهدهم الجميع  أثناء إيصالهم الغذاء والدواء لسكان البلدة القديمة وجوارها أثناء الاجتياحات المتكررة، لكن هؤلاء المتطوعين خاطروا بحياتهم مئات المرات وتعرض بعضهم للضرب والاعتقال فيما استشهد بعضهم الآخر بينما كان مرشحونا وممثلونا في المجلس التشريعي يشدون الرحال الى الخارج او الى عدسات الكاميرات لشجب الاحتلال وممارساته ضد الفلسطينيين مؤكدين على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وغيرها من الكليشهات المبتذلة والشعارات الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني المواطنين المأسورين من جوع.

 

افتتحت هذه الجمعية عدة برامج لمعالجة الاطفال المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة وقدمت لهم المساعدة والرعاية والتعليم، كان هؤلاء الاطفال موضع إهمال المجتمع والاسرة قبل استحداث هذا البرنامج الذي تفتقر منطقة الشمال الى مثيل له كما افتتحت برنامجاً آخر لرعاية الصم والبكم وقامت على تطوير خبراتهم ومهاراتهم ليتمكنوا من احتلال موقعهم المناسب في المجتمع رغم اعاقتهم التي لا تمنعهم من اكتساب الرزق بكرامة دون اللجوء الى أحد. وغيرها الكثير من البرامج الخيرية التي لا يمكن للجمعية الاستمرار بها دون التفاف سكان المدينة حولها، لماذا لا نستطيع الارتقاء بمفهوم التبرع لننتقل من مفهوم التبرع الى مؤسسات دينية كما جرت العادة: بناء مسجد، التبرع لدورة لتحفيظ القرآن الكريم او التبرع للايتام وغيرها من الانماط التقليدية ذات البعد الديني في التبرع، متى سيرتقي المجتمع الفلسطيني في مفاهيمه النظرية تجاه الانتماء للمجتمع ويقوم بدعم المؤسسات الخيرية والاجتماعية بنفس المقدار الذي يدعم به بناء المزيد من المساجد، فوجئت بالامس بدعوة موجهة لسكان المدينة لدعم بناء مسجد آخر في حي المعاجين والذي تم بناء مسجدين جديدين فيه خلال السنوات القليلة الماضية، لماذا لا يستطيع هؤلاء المواطنون التبرع بنفس المبالغ النقدية لبناء المدارس وتمويل البرامج الانسانية التي تقوم بها الكثير من المؤسسات الاجتماعية، كيف يقبل هؤلاء الموطنين على انفسهم ارسال ابنائهم الى مدارس ذات ابنية شبه منهارة ومرافق صحية غير صحية! كيف لا يشعر المواطن بالرعب وهو يسمع ان القوارض تجتاح الصفوف المدرسية جيئة وذهاباً بينما يفر اطفالهم رعباً وخوفاً!

 

اتمنى ان نرتقي الى المستوى المطلوب وذلك بالانتقال الى مرحلة افضل في توجهاتنا في اخراج الاموال التي تندرج تحت اسم الزكاة والصدقات، إن التبرع للمؤسسات الخيرية مسالة ذات بعد استراتيجي، قد يكون التبرع لفقير من الفقراء بقطعة من اللحم امر جيد ولكن الافضل هو دعم المؤسسة التي ستقدم له العلاج والمأوى إن تشرد وجار الزمن عليه ولم يجد من يعتني به، إنني اشعر بالطمأنينة كلما شاهدت هذه الجمعيات الخيرية تتنافس في سبيل تقديم الخدمة للمواطن، واشعر بالخوف كلما علمت انها تمر بأزمة مالية قد تمنعها من القيام بواجبها في تقديم الخدمات المطلوبة.

 

ٌترى، هل يسمعني أصحاب المال والجاه من وجوه المدينة وشخصياتها الإعتبارية! اراهم يومياً يتبجحون بحب الوطن، ويغنون له، ويزاودون عليه، ويصفقون بحرارة وهم يغنون: نابلس، كلنا بنحبك وغيرها من الاغاني الوطنية التي تعبر عن الانتماء للوطن، أين أنتم يا من تعتبرون الوطن حياتكم ويا من لا تتوقفون عن وصف أنفسكم بالمناضلين في سبيله! أين أنتم يا من إعتبرتم المدينة ملكاً شخصيا لكم تعيثون فيها فساداً وتغيرون فيها ما شئتم! هل أحببتم المدينة وقت الرخاء ام توقف حبكم لها حين توقفت هذه البقرة عن تقديم المزيد من الحليب! ام أنتم ممن قال عنهم شاعرنا العربي ابراهيم طوقان:

 

وطن ُيباع وُيشترى وتصيح: فليحيا الوطن

لو كنت تبغي خيره لبذلت من دمك الثمن

ولقمت تضمد جرحه لو كنت من أهل الفطن

 

 

نابلس، 20 اكتوبر 2005

***



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين