واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
يغتال أحلام الفلسطينيين على الحواجز

تم النشر أول مرة بتاريخ15/05/2006 15:31:00

قالت: كم يلزمنى إذن لتغفر لى؟

قلت: ما يعادل ذلك العمر من عمر! وجلس الياسمين مقابلاً لى.

يا ياسمينة تفتحت على عجل.. عطراً أقلّ حبيبتى.. عطراً أقل!

كان منبه السيارات ينطلق فجأة قربى ينتزعنى من عالم أحلام مستغانمى التى كنت أغوص فى روايتها مستمتعا فى محاولة لقهر الانتظار القاتل على حاجز الاحتلال.. ذاكرة الجسد فى مواجهة جسد بلا ذاكرة.

أقطع النص الجميل وأدير محرك سيارتى لأقطع مترين ثم أطفئ المحرك لكى أعود إلى ذاكرة جسد لكننى أصحو على صوت رجل يقف أمام نافذة السيارة:

ماذا تفعل يا رجل؟! تقدم إلى الأمام قليلا، فنظرت فى المرآة، فأطلت إحدى سيارات الإسعاف تجهد فى التقدم نحو الحاجز كى يستطيع سائقها أن يوصل المريض إلى غرفة العناية المكثفة فى سباق مع الموت الذى يعيق المرور، فأدرت محرك سيارتى مرة أخرى وحركتها بصعوبة شديدة نحو اليمين قليلا كى يستطيع المرور قبلى، وأطفأت المحرك مرة أخرى. ولكنى لم أعد أقلب ذاكرة الجسد.. رحت أتأمل الحاجز العسكرى الذى أقف عليه، وأنظر إلى الجنديين الإسرائيليين اللذين يستمتعان بتعذيب الناس، ويسعدهما أن يريا طابور السيارات يزداد طولا وهما يحملان سلاحيهما ويتحدثان مع بعضهما بسعادة غامرة متجاهلين نظرات الواقفين على الحاجز وداخل السيارات وكل منهم يحمل بطاقة هويته، بانتظار إشارة التقدم.

رفع الجندى ذو القبعة السوداء إصبعه فى إشارة إلى إحدى المركبات لتتقدم. وطلب من السائق أن يترجل منها حاملا بطاقات الهوية للركاب من على بعد عشرة أمتار، ويطلب منه أن يكشف عن بطنه ويدور حول نفسه. ويمتثل سائق التاكسى لذلك، ثم يتقدم من الجندى ليسلمه الهويات ثم يعود إلى مركبته ويجلس بانتظار أن ينهى الجندى فحص الهويات ومطابقتها مع اللائحة التى يحملها والتى تتضمن أسماء المطلوبين لقوات الاحتلال وأسماء القرى والمدن الممنوع مرور سكانها عبر الحاجز لأسباب عقابية. وعملية الفحص هذه تستغرق ما معدله 10 دقائق لكل سيارة. وهذا يعنى أنه إذا جئت إلى الحاجز مبكرا وكنت محظوظا ووجدت أمامك 15 سيارة فإنك بحاجة إلى 150 دقيقة للمرور.

حاجز زعترة، هو أحد الحواجز الكثيرة التى لا تعد والتى تقف سدا أمام حركة الناس والمركبات، ويعتبر الممر الوحيد بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. ولسوء الحظ فإننى حتى أستطيع الوصول إلى عملى فى مدينة سلفيت ينبغى على أن أقف يوميا على هذا الحاجز لمدة تتراوح بين ساعة ونصف الساعة إلى ساعتين، ما يعنى أن على الحضور إلى الحاجز قبل السادسة صباحا لأتمكن من المرور قبل الثامنة، أو أن أصل إلى عملى متأخرا. علما بأن المسافة ما بين بيتى ومكتبى هى فقط 9 كيلومترات.

ونظرا لأن الوقوف على الحاجز يعنى اختلاط الملل والقهر برائحة البنزين والسولار وعوادم المركبات التى تئن براكبيها تحت وطأة الانتظار، فقد فكرت كثيرا فى كيفية استغلال الوقت الثمين الذى أقضيه يوميا على الحاجز، فبحسبة بسيطة يتبين أننى أقضى شهريا حوالى يومين من عمرى على الحواجز وهذا يعنى 24 يوما سنويا.

وبعد تفكير خطرت ببالى فكرة المطالعة: فهى أفضل شيء يمكن عمله على الحاجز. فدأبت منذ فترة ليست قصيرة على اصطحاب بعض الكتب فى السيارة، بحيث أقوم بمطالعتها أثناء انتظارى على الحاجز، تفاديا للنظر إلى الجنود على الحاجز والذين يرفعون ضغط دمى، والاستفادة من الوقت الثمين، فضلا عن الخروج من جو القهر والظلم. وأقنعت عددا من الأصدقاء بالمطالعة على الحاجز.

والمفارقة أن الحواجز صارت سببا فى رفع المستوى الثقافى للمواطنين.. أذكر أن وزارة الثقافة الفلسطينية قامت بتنفيذ العديد من الأنشطة لتشجيع المطالعة، ولكن يبدو أن الحاجز كان أكثر إقناعا من إرشاداتها.

تساءلت وأنا أقف على الحاجز: ترى لو كانت أحلام مستغانمى هنا، أى شيء ستكتب؟

وكيف ستصف مشهد الجنود وهم يأمرون الناس برفع ملابسهم والاستدارة أمامهم؟ ويجبرون الشباب على القرفصة فى الشمس لعدة ساعات لا لشيء إلا لأنهم دون سن ال30 عاما.

وماذا ستكتب عن هذه المرأة التى تحمل طفلها الصغير وتتقدم نحو الجنود طالبة منهم المرور ويختلط صوتها ببكاء طفلها دون أن يشفع ذلك لهما بالمرور، والسبب أنها تسكن إحدى القرى أو المدن التى تخضع الآن للعقاب الجماعى.

بينما يقف الفلسطينيون أمثالى فى طابور طويل من السيارات بانتظار التفتيش، فى حين خصصت سلطات الاحتلال مسربا خاصا للمستوطنين قرب الحاجز، وبذلك يمر المستوطنون مسرعين بسياراتهم الجديدة والمكيفة ويلقون نظرة خاطفة غير مكترثين صوب عشرات السيارات المتوقفة على طابور الانتظار اللعين.

الساعة الآن التاسعة، ها قد جاء دورى أخيرا، وأشار إلى الجندى بالتقدم.. أعطيته الهوية وفحصها على لائحته الطويلة ثم أمرنى بالتحرك دون أن ينطق بكلمة، وأخذت الهوية دون أن أنظر إليه، فأنا أرى وجوه الجنود متشابهة تماما كأحذيتهم.

غادرت الحاجز بسيارتى مسرعا، ورحت أتساءل: هل سيأتى يوم يكتب فيه روائيون فلسطينيون ذكرياتهم عن الحواجز أيام الاحتلال الغابرة كما فعلت أحلام فى رواياتها؟ وأى ذاكرة سيرويها الجسد عن حواجز قطعت أوصال الوطن وتسببت بفوضى الحواس ما بين قهر وصمود، ألم وأمل، حب وغضب؟!

رسالة رام الله: فريد طعم الله



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين