واجهة نابلس الحضارية على شبكة الانترنت
تأسس عام 2001
نابلسيات
على هذه الأرض ما يستحق الحياة

تم النشر أول مرة بتاريخ26/06/2006 01:37:00

بقلم: علاء ابو ضهير

 

كنا منفعلين، لا نعرف ماذا نفعل، هل نستمر في تنظيم هذه الأمسية الموسيقية لفرقة أوروبية قطعت مسافات شاهقة لتعزف لنا بعض إلحانها التراثية! ام نذعن للاحتلال الذي يرغب بتحويل حياتنا الى بؤس وشقاء دائم ومن ثم نقوم بالغاء الحفل، اقتحم الغزاة المدينة بالأمس واليوم أيضا في وضح النهار، حاصرت آلياتهم السوق التجاري، هرب المواطنون الى كل الاتجاهات، ولم يستطع الجنود الوصول الى مآربهم الا بشق الأنفس، كنت دوماً من رافضي ظاهرة قذف الحجارة على جنود الاحتلال، كنت أرى فيها عملاً غير منظم ولا يلحق بالاحتلال من إضرار بمقدار ما يلحق بالاقتصاد الوطني، لكن فكرة غريبة راودتني وأنا انظر إلى مشاهد اجتياح المدينة ظهر أمس على شاشة الجزيرة، مشاهد الآليات العسكرية التي تحطم السيارات والمحال التجارية وتحول السوق التجاري إلى شيء مختلف، تحول إلى مكان تتبعثر فيه المعالم، مكان تمتزج فيه إرادة الحياة بخوذات وأحذية جندٍ أتو من بعيد، وقعت البسطات على الأرصفة وداستها عربات الاحتلال، داست آليات ضخمة فواكه الوطن بكوشوك عجلاتها، هذه الفواكه الصيفية التي عانى فلاحونا كي يحضروها عبر الحواجز والطرق الالتفافية ليبيعوها ويسدوا رمق أطفالهم بأثمانها ويستمروا في الصمود على ما تبقى من أراضٍ في أشلاء الوطن.

 

الفكرة التي تبادرت لذهني تتلخص بضرورة الاستمرار في قذف الحجاره، هذا العمل الذي رفضته طيلة سني عمري، لكنني الآن أشعر أنني كنت مخطئاً، لقد شاهدنا جميعاً كيف يتمترس الجندي داخل سيارته العسكرية ولا يخرج منها إلا نادراً، كأن الحجارة من سجيل، وكأن رصاصهم يدرك بينه وبين نفسه أنه على الباطل، ورصاص الباطل جبان مهما امتلك من قوة وبأس، وحين صرخت مستغرباً مغامرة الشبان الذين يقومون بقذف الحجارة، قال لي والدي: لو لم يقم الأطفال والشبان بقذف الحجارة على دوريات الجنود فستزداد عنجهية وغطرسة جنود الاحتلال إلى النزول من دورياتهم ولطم أكبر مواطن على وجهة إمام الجميع دون أن نحرك ساكناً، فعلى الرغم من كل الخسائر التي تلحق بنا جراء تلطيش الحجارة، إلا أن الجنود لا زالوا يرهبون ويخافون النزول من سياراتهم. والا لأصبحنا متقبلين لوجودهم في المدينة وتعاملنا مع الموضوع بشكل شبه طبيعي، وسيأتون في المرة المقبلة ليجلسوا في إحدى المقاهي ليتناولوا مشروباتهم الروحية أمام عيوننا وسيعرضنا ذلك للذل الأكبر المتمثل بقبول فكرة وجودهم والتكيف معها، يجب أن يشعر الجنود في كل مرة أنهم ليسوا ضيوفاً مرحباً بهم في المدينة، فليأتوا ويدمروا ويقتلوا ويفعلوا ما يريدون ولكن لا يجوز لنا أن نتقبل دخولهم الى المدينة كما لا يجوز لنا ان نحول توغلهم فيها الى مجرد نزهة لطيفة. إنهم جنود احتلال وليسوا قوة شرطة تابعة للحكومة المحلية.

 

نعود الى أمسيتنا الموسيقية التي تم تنظيمها في هذه الأجواء الملبدة برائحة الاحتلال، حاولنا جهدنا أن نكيف أمورنا مع رغبة المواطنين، كان هذا الحفل بمثابة الافتتاح الشعبي لمسرح من أجمل مسارح الوطن، اقتربت ساعة بدء الحفل ولم يأت سوى منظموه ورجل مثقف لا يدع حفلا أو نشاطاً ثقافيا دون المشاركة فيه، استمر الوضع على هذه الحالة المحرجة حتى الساعة المحددة لبدء الحفل، القاعة ضخمة وتتسع لثمان مائة مواطن، قررنا التأخر عشرين دقيقة آملاً بوصول بعض الناس، يا له من موقف محرج أمام الفرقة الأوروبية! لقد تفهم أعضاء الفرقة طبيعة الظروف في المدينة، لكنهم سيكونون سعداء لو حاول مواطنو المدينة الخروج من حزنهم والبحث عن نافذة أخرى للحياة، وفجأة، وبما لا يتجاوز الخمسة عشرة دقيقة، تدفقت إرادة الحياة على مدخل المسرح، لا زال سكان هذه المدينة عاشقين للحياة ومتعها، لا زالوا راغبين بالاستمتاع بكل ما يذكرهم أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأن بإمكانهم الصمود أكثر إذا حصلوا على وجبتهم الروحية المتمثلة بالموسيقى، غذاء الروح، كان تصفيق الأيدي شديد الحرارة، كانت كل لحظة فريدة من نوعها، نظرت الى الجمهور الذي ملأ القاعة كيف استطاع الجمع بين مقومات الصمود والرغبة في الحياة، هؤلاء المواطنين الذين كانوا قبل ساعات يقارعون الاحتلال في شوارع المدينة ويتحملون نكده وتنغيصه لحياتهم، يأتون في المساء ليستمتعوا بما تبقى لديهم من عزيمة وإرادة لا تنكسر.

 

تدفق مواطنو المدينة، كانوا كمن يأتي ليبرهن على حقه في الحياة بمقدار ما كان مهتماً بالاستمتاع بالموسيقى، قالتها إحدى السيدات ببساطة، إننا نعاني يومياً من قهر الاحتلال وظلمه، فلماذا لا نحاول ان نعيش حياتنا على طبيعتها قدر الامكان ولا نفرض على أنفسنا اعباءاً فوق طاقتنا، واستمرت وهي تحدثني بينما كنت أسير معها بمحاذاة المسرح، يجب علينا ان نقوم بتفريغ حقدنا على الأوضاع التي فرضها علينا الحصار من خلال التفريغ عبر الموسيقى وغيرها من الوسائل الإنسانية، أعجبتني فكرتها، وأكملت حديثها قائلة: ألم تلاحظ كيف كان الحضور يصفق بانفعال شديد! إنهم يقولون للاحتلال: لم ولن تكسرنا، لا زلنا هنا، نغني وننشد الأشعار، هذه الأرض لنا، ولن نسمح بأن تتحول الى سجننا القاتل.

 

عزفت الفرقة الغجرية إلحانها التي حاكت الروح، لم نفهم الكلمات، ومن ذا الذي يبحث عن معاني الكلمات طالما كان الصوت عذباً وشجياً ومناجياً للروح! حملتني هذه الموسيقى لأنتبه الى التوليفة بين الأدوات الموسيقية وتناغمها، كيف يقوم المغنون بتمثيل أدوار تتطابق مع الموسيقى ومعاني الكلمات، حركات وجوههم وأيديهم، جلوسهم بحزن على المقاعد بينما تعزف أناملهم بحزن بعض الألحان الشجية، وحركتهم الحيوية والمنفعلة حين يعزفون لحناً نابضاً قوياً، استطاعوا، رغم الهوة الثقافية، أن يدفعوناً للالتحام معهم في عالم سرمدي، عالم قريب من النرفانا التي وعدنا بها سدهارتا، عالم يطهرنا من عذاباتنا وآلامنا، عالم يعيد إلينا ذلك الصفاء الداخلي والانسجام الروحي مع ذاتنا، عالم وهمي من التطهير الذاتي الذي نادى به الإغريق قبل ألفي عام، ساعد على تحقيق ذلك المؤثرات الضوئية الجميلة التي رافقت العرض وكان لها أثراً فنياً رفيعاً ينسجم مع طبيعة الحفل، لقد أعادت لي هذه الأمسية وإلحانها ما فقدته في الفترة الماضية من توازن روحي واستقرار نفسي، لماذا نصر دوماً على المكابرة ونرفض الاعتراف بأننا ضعفاء من الداخل ولا بد لنا من شحن أنفسنا باستمرار لنعيد استرداد قدرتنا على الصمود!

 

انطلقت أيدينا بالتصفيق الحار بعد كل معزوفة أو قطعة موسيقية، كنا نصفق تعبيراً عن جملة من المشاعر لولها التقدير للفنانين وقدراتهم التعبيرية عما يجول بخاطرهم من خلال الموسيقى، وثانيها أننا كنا كمن أتيحت لهم فرصة للاستمتاع ولو مؤقتاً بحقهم الإنساني والطبيعي في أن يكونوا مجرد بشر طبيعيين وليسوا كائنات فائقة القدرة وخارقة للطبيعة كما تحاول وسائل إعلامنا أن ُتظهر صمودنا أحياناً. اقتربت مني سيدة كبيرة في السن وشكرتني في آخر الحفل على إتاحة هذه الفرصة لها للحضور وقالت إن تفاعل شبيبة العلاقات العامة مع الموسيقى كان ممتعاً إذ شجع الحضور على الاستمتاع والانسجام في الحفل، شعرت بالغبطة حين قالت هذه الكلمات، يا له من مسمىً جميل، شبيبة العلاقات العامة، إنهم فعلاً خيرة الشبان والفتيات أولئك الذين يستطيعون أن يتساموا على الجراح وأن يفتحوا قلوبهم للحياة والهواء النقي، ويبحثوا في هذا الوطن عن بصيص أمل يعيد لهم الثقة بغد أفضل.

 ***

 

 صباح الجمعة، 23/حزيران، 2006

 



مواضيع ذات علاقة:


تنبيه: اضافة تعليق لا تعني تعديل النص، لتعديل الخبر اضغط على الرابط في بداية النص

  أضف تعليق

الاسم الدولة
التعليق
قم بالتعليق بإستخدام فيس بوك

  تعليقات من الزائرين

1) 3omar
i on't know what to say but there are alot of problems and we cann't solve it from the first time we are addicted to see jwesh and life is too short and some thing else (god bless us

2) Me
I honestly dont think that throwing rocks or doing what we are doing now would take us any where.. The Arabism and Nationalism were created by Jamal 3bd enaser just in order to control the Palestinians and take as much advanteges as Arabs could from Us....Unfortunilty, what you called "Pride" doesnt exsist. Where is your pride as palestinians between your self... look at what is happening now between us in Palestine..a fihght over power and money..no one gives a damn about what you call pride. My sisters and brothers, my family, you have to wake up and be practical... u r dying of hunger, you are suffering and fighting for nothing but a dream that you will never reach...wake up.. it is time to wake up..